"باثولوجيا" الإسلاميين ووهم استعادة الهوية

الأربعاء 2014/01/15
استحضار القرآن قرينة سياسية من الأعراض المرضية للخطاب الإسلاموي

تكمن أهم الحجج التي يحتج بها إسلاميو ما بعد ربيع العرب بما يخص سبب صعودهم إلى السلطة في أكثر من بلد عربي في ناحيتين: الأولى، الربط شبه القسري بين صعودهم السلطوي وبين صعود الظاهرة الدينية. وفي هذا يُحال إلى مسألة يقظة “الوعي الديني”، الأمر الذي يستبطن هذه الأحجية إهمال الجانب الأهم، ألا وهو التكلس الثقافي الذي ما زال يحيط بالدوغما الجمعية العربية، فضلاً عن حالة التعفن السياسي والاستبدادي والركود الاقتصادي.

الناحية الثانية، تتعلق بإشكال “الهوية- التمثيل”. فهذه التّيارات لا تتعب من ترديد مقولات بأنّ المجتمعات العربيّة التي صوّتت لها لم تكن لتفعل ذلك، إلا لأنها قد اختارت من “يُمثّلها”، أو بمعنى أدق، اختارت من يُجسّد هويتها التاريخيّة الإسلاميّة. وبالتّالي لم يكن انتفاضُها إلا من أجل استعادة هذه الهويّة، وليس ضدّ الاستبداد السياسيّ (وحتى الاستبداد يُخْتَصر فقط أنه حال دون تجسيد الهويّة الإسلامية). نحاول في هذا المقال المرور سريعاً في نقد هاتين الأحجيتين.


الإسلام والأسلمة


من المهم في هذا السياق التفريق بين إسلامين اثنين: بين الإسلام كـ”دين”، ينتمي إلى المناخ الثيولوجي الإبراهيمي (اليهودي، والمسيحي، والإسلامي)، وهذا المناخ هو جزء لا يتجزأ من سياق الظّاهرة الدّينية في العالم؛ والتي هي فعلاً آخذة في الصعود منذ عقد السبعينات، لاشك في ذلك، وبخاصة بعد انهيار القطب الروسي؛ وبين الإسلام الثاني الذي يتعلق بالإسلام “الجمعي”، الإسلام كـ”ثقافة” لا يُشكّل الدّين فيه إلا جزءاً من “الوعي الجمعي” العام. وهذه الموضوعة لا يمكن درسها إلا في نطاق أنثروبولوجيا الدين والثقافة مع الأخذ بعين الاعتبار التحولات السياسية والاقتصادية.. لماذا هذا التفريق؟

لنؤكد على النقطة التالية. الإسلاميون هم أقل الناس تديناً من ناحية، لكنهم الأشد في تديين الغير من ناحية ثانية. نقصد في الحالة الأولى الالتزام الروحي بثيمة الدين الأساسية “الخاصة” بمعنى (Religiosity) وهذه الحالة ليست بحاجة إلى برهنة. إنهم كلما ازدادوا تورطاً في الشأن العمومي (السياسي- المدني) كلما تقلصت الدينية عندهم. إننا في هذه الحال أمام شرط أشبه بـ”الجهل المقدس” إذا استعرنا تعبير أوليفيه روا. أما الحال الثانية التي نقصدها، فهي السلوك المعهود عنهم في تديين بمعنى(Religionization) وأسلمة كل مناحي الحياة الخاصة والعامة وفقاً لأديولوجية الإسلام السياسي.

وقد سجل الإسلاميون في هذه النقطة فشلاً ذريعاً رغم كل الجهود والأموال التي كانت تُضخ لهم منذ عقد السبعينات. فهم كما شهدنا مؤخراً بالكاد نجحوا. وكما عبر أحد الصحفيين بأنه لم يكن مفاجئاً نجاحهم، لكن المفاجئ أنهم كادوا أن يسقطوا. وللأسف ليس ثمة دراسة جادة إلى الآن حاولت درس الإمكانات النفسية والاجتماعية والاقتصادية حتى للذين صوتوا لهم: هل كان دافع تصويتهم اقتصادياً بحيث تعرضوا لرشاوى وإغراءات مالية وخاصة أننا قرأنا تقارير كثيرة تفيد بإتباع الإخوان أسلوب الرشاوي؟ أم بسبب الضغوط النفسية والاجتماعية المحافظة؟ أم الإعلامية التي صالت وجالت؟

في التفريق الأول الذي ذكرناه (الإسلام كـ”دين”) ليس من المرجح، بأنّ “الدافع الديني” هو الذي دفع ببعض الناس للتصويت للإسلاميين. هذا رغم الصعود الديني المدوي الذي يكتسح العالم. وإذا كان “الدين” ليس فقط مجموعة من دوغمائيات مُحنطة بقوالب أيديولوجية وغيرها، فإنّ الشعوب لا تبحث عادة عن أيٍّ من الأشكال الأيديولوجية لتحقق لها ما تبتغيه. ما تريده الشعوب هو “المعنى” الذي يحقق لها الاطمئنان والعيش الاقتصادي الكريم، سواء تحقّق ذلك في الدّين أو غيره. في حالة الشعوب العربية، هناك انغلاق توتاليتاري هائل كان يمارس ضدّها، ليس فقط من قبل الأنظمة العربيّة، وإنما أيضاً انغلاق من قبل التّيارات الدّينية النشطة، التي كانت تقوم ببناء سُلَط موازية للاستبداد داخل الهرم الاجتماعي؛ وهذا أشدّ خطورة من استبداد الحكّام.


فكرة «الخلاص» الإخواني


من الطبيعي بعد هذا الدّمار الهائل للمجتمعات العربيّة أن يذهب صوت البعض (لا نعني على الإطلاق الناس “المتأخونين” أصلاً أو المنضمين لتيارات الإخوان) لأشكال أيديولوجيّة أكثر تنظيماً من غيرها من التّيارات السياسيّة الليبراليّة وغيرها.

وكانت أهمّ سلطة بَنَتْها التّيارات الإسلامية داخل الوعي الجمعيّ، أنها جسدت نفسها في ظل الاستبداد بكونها “الخلاص”. لكنْ مرّةً أخرى، ليس هذا التصويت مردّه الدافع الدّيني حصراً. بعض الغربيين، من اختصاصيي سوسيولوجيا الدين، يقيم تفريقاً في حالة انجذاب الناس للتيارات الدينية المسيسة: إما بدافع ديني تقوَوِيّ شخصي (Personal Religiosity) أو بدافع سياسوي ديني (Political Religiosity)، حيث يُعتقد بالدين أنّه “النظيمة” الأساسية التي يجب أن تدير السياسة. لكن لا نعلم مدى دقة هذا التفريق في حالة المجتمع العربي الذي تسوده الفوضى والصراعات الفئوية والطائفية. إننا لا ننفي بنحو مطلق الجاذبية الدينية عند بعض الناس، لكنْ أنْ يُجعل الدافع الديني هو المنطلق والمنتهى كما يريد الإسلاميون، فهذا لا يمكن المصادقة عليه بأي حال. وإلا لو كان الأمر كذلك لرأينا بأنّ الدين هو أول من أطلق شرارة ربيع العرب، ولرأينا سياقاً مختلفاً عما عليه الحال الآن.


قوى اللعب على وتر الدين


إنّ درس “الدافع” في الظاهرة الدّينية معقد إلى حدّ ما ويختلف درسه بحسب المدارس النقدية والمعرفية. لكن بنفس الوقت، من التبسيط القول أنّ هناك توافقاً وتطابقاً بين الإسلاميين ومن صوّت لهم. إذ لو كان هناك أدنى تطابق بين من قام بالانتفاض وبين الإسلاميين، لرأينا شعارات السّلفيين والإخوان وقيادتهم في مقدمة المنتفضين منذ انطلاق شرارة الربيع، ولما سمعنا عن تحالفات من تحت الطاولة بين أركان النظام المصري البائد والإخوان ضد المنتفضين حينها؛ وفوق ذلك، لما لوحِظَ الآن تنصّل الإخوان رويداً رويداً من الانتفاضة المصريّة وشارعِها الذي أشعلها، والذي ما زال يصرّ على استكمال تحقيق أهدافها.

هناك فرق جوهريّ بين أن يكون الدّين ومؤسساته (كالجوامع والكنائس) مصدرَ إلهامٍ للانتفاضات، وبين أن تأتي قوى بعد ذلك لتتحدث أولاً باسم الدّين، وتعمل ثانياً على دغدغة مكامن قوى “الوعي الجمعيّ”؛ والدّين أحد قوى هذا الوعي، الذي ما زالت معظم التّيارات الإسلامية تلعب على وتره. والدّين بحد ذاته، ليس وراء الانتفاض، بمقدار اعتباره قوّة من بين قوى متعددة في تكوين بنية “الوعي الجمعيّ”، والذي يخضع بدوره إلى سياق اجتماعي مُحدّد، له استحقاقات مختلفة عن أيّ سياق آخر. فمثلاً إذا كانت “الكنائس” في أوروبا الشرقيّة هي إحدى العوامل المهمة في الانتفاضات، فإنّ هذا ليس حاله في بلاد العرب نظراً للاختلاف الجذري الهرمي بين مؤسسة الكنيسة ومؤسسة الجامع. وفضلاً عن هذا، ثمة فوارق لا يمكن تجاوزها بين طبيعة المجتمعات هناك ودور الكنيسة فيها وعلاقتها بسلطة الدولة والدور الذي تلعبه في مجتمعات أوروبا الشرقيّة، وبين طبيعة المجتمعات العربية ودور الجامع فيها ومدى تحكم الديكتاتوريين فيها.


باثولوجيا الانغلاق


أما ما يخص جانب الإسلام كـ”ثقافة” فإنه يتصل بجانب “الذهنية الجمعوية” المتحكمة في بنى التفكير العربية. الإسلاميون يحاولون المطابقة بين الظاهرة الدينية كـ”دين” وبين الظاهرة الإسلامية كثقافة جمعية لا يشكل الدين فيها سوى جزء. إننا نكتفي بالقول في ما يخص هذه النقطة بأنه من المهم عدم إغفال أنّ بنية الذهنية الجمعوية العربيّة، لطالما بقيت بنية “مغلقة”، وذلك بفعل عوامل مختلفة منها الاستبداد العربي المزمن، الذي أغلق أمام الشعوب العربية الركيزةَ الأهمّ في شرطها الإنسانيّ، وهي “معنى الوجود”.

وكما يؤكد الأنثربولوجيون، ليس بالضرورة أنّ يؤدّي زوال القيود عن الوعي الجمعيّ إلى تحرّره كاملاً، بل بالعكس: فربما لا تنتقل البنية المغلقة للوعي الجمعيّ إلا إلى انغلاق آخر. وهذا سببه في الواقع جذور ثقافية عمرها مئات السنين لن يحلها زوال القيود السياسية. ولا ننسى بأنّ الإسلاميين هم الجزء الأهم من هذه الباثولوجيا المنغلقة. فهم في بنية وعيهم لا ينتقلون من انغلاق إلا إلى انغلاق آخر، وهكذ دواليك.

13