باجة تدعو الزوار لاكتشاف أسرار الآثار التونسية

ولاية باجة تعد واجهة سياحية ممتازة لامتلاكها مواقع أثرية عديدة من بينها موقع "دقة" الأثري الذي تم إدراجه عام 1997 ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي.
الاثنين 2019/03/25
مسرح دقة شاهد على عمق الحضارة

تعكس محافظة باجة الطبيعة الخلابة التي يمتاز بها الشمال الغربي لتونس، لكنها تتميز عن باقي المدن التونسية بالآثار والمعالم التاريخية التي تحكي قصة بلد مرت عليه الكثير من الحضارات وكتبت على أسواره القديمة الكثير من الحكايات، وتسعى الجهات المعنية بالقطاع السياحي في البلاد التونسية لنفض الغبار عن هذه الآثار ودعوة التونسيين والسياح لزيارتها واكتشافها.

تونس- تعمل وكالة إحياء التراث التونسية على إطلاق حملات لزيارة الأماكن التراثية والسياحية في المحافظات التونسية للتعريف بالمواقع والمعالم والمتاحف لدفع السياحة الثقافية في البلاد.

وكانت “العرب” حاضرة في زيارة مجموعة من الصحافيين التونسيين والعرب للمناطق الأثرية والمعالم التاريخية في كل من تستور ودقة وعين تونقة في محافظة باجة المعروفة بأرضها الخصبة وامتيازها بزراعة القمح والشعير.

وتكافح تونس بقوة لإعادة تحريك الاقتصاد الذي عانى من هجمات إرهابية وأزمات سياسية متلاحقة منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي عام 2011. وحسب ما قال وزير السياحة روني الطرابلسي، تسعى البلاد للوصول إلى 9 ملايين سائح خلال هذا العام، حيث تبذل تونس جهودا كبيرة للوصول إلى نتائج إيجابية سابقة حققتها في قطاع السياحة قبل وقوع الأزمة.

وستسهل وفرة المواقع الأثرية وحفاظها على معالمها التاريخية  مهمة التعريف بتاريخ تونس الطويل، حيث تستقطب المناطق الأثرية سياحا من كل العالم. وحسب ما تؤكد وزارة الثقافة التونسية، تطلق تونس بين الحين والآخر رحلات تعريفية بالمدن والمناطق التي تحتوي على آثار تاريخية، كما أطلق البرنامج الوطني “مدن الحضارات” الذي يهدف إلى تنشيط السياحة الثقافية باعتبارها من محركات التنمية المستدامة والمندمجة.

فباجة الولاية الأكثر نشاطا في المجال الزراعي في تونس تعد واجهة سياحية ممتازة لامتلاكها مواقع أثرية عديدة من بينها موقع “عين تونقة” الأثري وموقع “دقة” الأثري الذي تم إدراجه عام 1997 ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي والطبيعي العالمي.

تستور بمعمار أندلسي
تستور بمعمار أندلسي

وتمتاز مدن تونس بطابعها المعماري التاريخي الذي يحاكي الحضارات المتعاقبة على البلاد، إضافة إلى تنوعها الثقافي والتراثي الذي يميز كل مدينة وقرية بتقاليدها ولباسها ومأكولاتها وعمارتها وطبيعتها ومعالمها التاريخية ومواقعها الأثرية.

ومن هذه المدن مدينة تستور التي أعيد بناؤها على يد الأندلسيين قبيل عام 1609، حيث تحافظ المدينة على خصائصها المعمارية والبناء الجميل والزوايا الدينية والمساجد التي يتعانق فيها الهلال مع نجمة داود، وذلك حسب ما تتزين به مئذنة الجامع الكبير في المدينة.

كما تمتاز تستور بخاصية العمارة الأندلسية التي تستعمل فيها مواد البناء مثل القرميد والآجر الملآن والجبس والحجارة والطين والصلصال والصخور والأعمدة من الآثار القديمة. وتقيم المدينة مهرجان المالوف منذ عام 1967 ومهرجان الرمان الذي تحتل فيه المدينة المرتبة الثانية على مستوى إنتاجه في تونس.

ويُكتشف في تستور مدى حجم الوئام والتآخي الذي كان سائدا بين السكان المسلمين واليهود في المدينة التي مازالت تحتفظ بزوايا ومعالم يهودية إلى الآن. ويقول رشيد السوسي من جمعية صيانة مدينة تستور إن السكان اليهود كانوا يمثلون قرابة الثلث من تعداد سكان المدينة، وإنهم كانوا يرتدون نفس ملابس المسلمين ذكورا وإناثا ولهم عادات وتقاليد متشابهة.

ويضيف أن أبناء اليهود كانوا يدرسون في المدرسة الابتدائية جنبا إلى جنب مع نظرائهم المسلمين. ويوضح أن آخر يهودي تستوري مات بباريس عام 2016 اسمه موسى للوش وآخر يهودية تستورية ماتت مؤخرا بباريس أيضا اسمها ليليان حيون، حيث يدعو إلى إعادة إحياء زيارة اليهود في كل خريف إلى زاوية الولي الصالح اليهودي الربي فراجي بن نسيم شواط وهي مناسبة كانت كبيرة لكل سكان تستور وزوارها.

وتحول منزل بناه أشهر أغنياء تستور من اليهود لياهو ميموني للفنانة حبيبة مسيكة عام 1930 إلى دار للثقافة في المدينة. واستبدل اسم الدار إلى “إبراهيم الرياحي” بعد عام 2011. وفي الطريق من تستور إلى تبرسق وهما مدينتان تتبعان ولاية باجة ترسم الطبيعة لوحات فنية من الجبال والأودية المنتشرة في تلك المناطق، وذلك قبل الوصول إلى موقع “دُقَّة” الأثري الذي أدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي ومازال يحافظ على رونقه ومكانته وتاريخه الشاهد على تعاقب الحضارات.

ويقول الباحث في التراث مصطفى الخنوسي إن “موقع دقة الذي يبعد نحو 130 كلم جنوب غربي قرطاج هو أسلم مثال شاهد على ميلاد مدينة أهلية وتطورها وحياتها طوال أكثر من سبعة عشر قرنا من الزمن”.

طابع معماري تاريخي
طابع معماري تاريخي

ومازالت المنطقة البعيدة عن العمران في مدينة تبرسق تحافظ على مكانتها وتأخذ شكل المدينة التاريخية المستقلة، فآثارها قائمة على منطقة جبلية تلتحم بطبيعة خلابة تميز مناطق الشمال الغربي خلال فصلي الشتاء والربيع.

ويشير الخنوسي إلى أن الموقع الأثري بدقة “يمثل مدينة من مدن المغرب في عهد الملوك النوميديين وتحت سيطرة الرومان يحافظ على بقايا مدينة قديمة بجميع مقوماتها ويقدم أفضل مثال معروف لتنظيم مدينة أهلية التأسيس ولمحاولة تأقلمها الصعب مع النموذج الحضري الروماني”.

ويؤكد الفريق العلمي بدقة أن الموقع الأثري يعد واحدا من أفضل الأمثلة التي وصلت إلى يومنا هذا عن تكييف تخطيط مدينة أسسها النوميديون وتأثرت كثيرا بالحضارة البونيّة وفقا للنموذج الروماني. ويؤكد الخنوسي أن دقة وآثارها التي تغطي اليوم 70 هكتارا تقريبا تشكل مجموعة استثنائية تشهد بما يزيد على 17 قرنا من التاريخ.

ويقول إن هذه الآثار تتميز بالتنوع الكبير من معابد ومحارم أشهرها معبد بعل- عطارد ومعبد طانيت – سيلستيس والثالوث الكابيتولي والساحة العامة والمسرح والملعب والحمامات العامة الكبيرة وبيوت خاصة تتفاوت بالفخامة، إضافة إلى وجود معالم جنائزية تنتمي إلى تقاليد مختلفة.

ويوضح أن هذه المعالم فريدة من نوعها تشهد على عملية التأليف الموفقة بين الثقافات النوميدية والبونية واليونانية والرومانية. ويضيف أن مجموعة الآثار والنقائش الهامة التي تم اكتشافها بالموقع الأثري بدقة أكثر من 2000 نقشة لوبية وبونية ومزدوجة اللغة بين بونية ولوبية ويونانية ولاتينية.

ومن موقع دقة الأثري مرورا بعين تونقة والوصول إلى تستور تتزين ولاية باجة التونسية بالكثير من المعالم التاريخية والآثار الشاهدة على تعاقب الحضارات والأصالة التي مازالت راسخة في عقول ووجدان سكان تلك المناطق الذين يحتفون بالزائر الجديد.

20