باحثون أميركيون يعيدون الاعتبار لأدب السيرة الذاتية العربية

الأربعاء 2014/07/30
ما جمعه راينولدز يؤكد أن أدب السيرة الذاتية ليس خاصا بالأدب الغربي

صدر عن مشروع “كلمة”، التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كتاب “ترجمة النفس: السيرة الذاتية في الأدب العربي”، الذي تعاون على إنجازه تسعة باحثين من أساتذة الأدب العربي والدراسات الإسلامية في الجامعات الأميركية، تحرير دويت راينولدز وترجمة سعيد الغانمي. هذا البحث المعمق ينطوي على مقاصد وأهداف لعل أهمها التأكيد على أن أدب السيرة الذاتية أو ما يسميه مؤلفو الكتاب بترجمة النفس ليس خاصا بالأدب الغربي.

عرف الأدب العربي الترجمة منذ القديم، ما جعل منه نوعا راسخ التقاليد عند العرب منذ زمن طويل. ويتجلى هدف الكتاب في العمل على إنقاذ هذا النوع الأدبي من التجاهل لدى الباحثين العرب. يشكل الهدف الأول كما يؤكد مؤلفو الكتاب محاولة للردّ على الرؤية الاستشراقية، التي تقول بأن السيرة الذاتية العربية، هي سيرة ناقصة لأنها تفتقر إلى البوح الذاتي رغبة من كاتبها في أن يتماشى مع الهوية الاجتماعية. أهمية الكتاب، تتمثل في أنه يكاد يكون الكتاب الأول في الأدب الأميركي الحديث، الذي كان نتاج قراءات ومراجعات ومناقشات مستفيضة بين مجموعة كبيرة من المؤلفين المختصين في هذا المجال.


مغالطات الغرب


قبل الخوض في أدب السيرة الذاتية عربيا يحاول الكتاب الرد على مغالطة الأصول الغربية لهذا النوع الأدبي، كما ظهرت في كتب ودراسات مؤلفين غربيين أكدوا فيها أن أدب السيرة لم يعرف خارج حدود الثقافة الأوروبية، بل إن بعضهم ربطه ربطا وثيقا بالمسيحية، وكأن المسيحية ملكية خاصة بالأوروبيين ولم يعرفها أحد من قبلهم “إن السيرة الذاتية كشكل أدبي ظاهرة غربية ابتكرها الأوروبيون المحدثون، وارتبطت بالمسيحية ارتباطا لا ينفصم”.

السيرة الذاتية العربية، هي سيرة ناقصة لأنها تفتقر إلى البوح الذاتي رغبة من كاتبها في أن يتماشى مع الهوية الاجتماعية

الدراسة التي تحاول الرد على أسطورة الأصول الغربية للسيرة، تكشف عن التمترس الغربي داخل حدود اللغات والآداب الغربية، الأمر الذي يجعل الباحثين والمؤرخين الاجتماعيين الغربيين يصرون على أن الخصائص البنائية والبلاغية للسيرة الذاتية الغربية المرتبة زمنيا والقائمة على أساس سردي مقياسا لمستوى الشعور بالذات والهوية الفردية المتجلية، في حقب تاريخية أخرى أو ثقافات مغايرة. من هنا كان من الطبيعي أن يتمّ تجاهل أشكال كتابة السيرة الذاتية غير الأوروبية، باعتبارها غير ناضجة وغير متطورة، بل هي مجرد ظلال للسيرة الذاتية الحقيقية في الغرب الحديث.

تعود أقدم دراستين عن السيرة الذاتية العربية ما قبل الحديثة إلى جورج ميتش وفرانز روزنتال، لكنهما لم تتخلصا من الرؤية الاستشراقية التي تؤكد على عدم وجود سيرة ذاتية في ثقافات أخرى. ميتش ينطلق في دراسته للسيرة الذاتية العربية من الشعر الجاهلي باعتباره تعبيرا عن صوت الفرد. ورغم حماسته الواضحة للنزعة الفردانية في هذا الشعر، إلا أنه يعتبرها نابعة من فردية البدوي، لأن منظور الشعر الجاهلي، ليس منظور الذي يتطلع إلى الخارج من الداخل، وإنما هو منظور من يصور نفسه بوصفه جزءا جوهريا من بيئته وجماعته الاجتماعية.

في المقابل يبحث الكتاب في دراسات النقاد العرب لهذا الفن عند العرب أمثال إحسان عباس، الذي جمع في كتابه فن السيرة بين سيرة الحياة والسيرة الذاتية، وقد ركز على هذا النوع في مرحلة ما قبل العصر الحديث على النصوص الإخبارية ونصوص التفسير والاعتبار والتبرير، ونصوص الصراع الروحي ونصوص مغامرات المؤلف.


الأنماط الأولى

الكتاب ينطوي على أهداف تؤكد على أن أدب السيرة الذاتية ليس خاصا بالأدب الغربي


يستعيد الدارسون في هذا الكتاب الأصول الأولى للسيرة الذاتية العربية بدءا من المرويات (الأخبار) ذات الطابع الشفوي في العصر الجاهلي، والتي كان يتمّ فيها نقل الخبر أو القصيدة مرفقة بمعلومات عن الشاعر ومناسبة كتابته للقصيدة، بحيث يقوم كل منهما بعملية إسناد للآخر وتأصيل له.

ومع ظهور الكتابة وبدء التدوين نشأت السيرة التي جمعت نصوصها بين الشعر والنثر، ما ترك أثره في تكوين الأنواع الأدبية والتاريخية في الحقبة الإسلامية المبكرة. قوائم السيرة الأولى هذه جاءت متأثرة بنموذج الأنساب من حيث الموضوعات والكتاب المحترفين فبقيت التقية هي الأكثر شيوعا في كتابة السيرة.

الدراسة تحدّد أبرز أنماط كتابة السيرة العربية في السيرة والترجمة والبرنامج والفهرسة والمناقب، وإن تصدرتهما كتابة السيرة والتراجم. مع كتابة السيرة النبوية في القرن الهجري الثاني أصبحت السيرة عملا مستقلا يختص بحياة شخص، وإن كان عددها محدودا.

في العهود المتأخرة اختفى فن السيرة بعد أن أصبح يدل على نوع من الملحمة الشعبية، لذلك ترى الدراسة أن أغلب الكتابات السيرية عربيا من بداية القرون الوسطى وحتى الحقبة الحديثة لم تعرف الاستقلالية بوصفها سيرة فرد محدّد.

تكشف الدراسة عن أن مصطلح الترجمة ذا الأصول الآرامية ينطوي على أفكار ثلاث مركزية متداخلة تتضمن معنى التفسير أو التأويل، وفكرة التحويل والنقل إلى وسط آخر، ثم فكرة التوضيح بواسطة تقسيم الترجمة إلى مقاطع وأجزاء يحمل كل منها عنوانا خاصا به.

أجزاء هذه الترجمة كانت تؤلف وتنشر كأعمال مستقلة عن أي مادة في معاجم الرجال والسير. وجزء من الترجمة تطور فيما بعد، هو الجزء السردي الافتتاحي الخاص بالمترجم وكان يسمى بالسيرة.

مؤلف معجم السير كان يخرج عن السياق عندما يجد من الضروري كتابة مادة خاصة به بضمير المتكلم أو الغائب، وكانت تلك المادة تسمى ترجمة النفس أو الترجمة الذاتية، وفي بعض الأحيان كانت هذه السير تؤلف بناء على طلب جامع معجم السير.

الدراسة تتحدث عن دور الاتجاه الروحي وتحديدا الصوفي في نشأة السيرة الذاتية العربية، وهو الاتجاه الذي يبدأ مع المحاسبي والترمذي وصولا إلى كتاب المنقذ من الضلال للغزالي ومن بعده الشعراني وابن عجيبة والسمناني وغيرهم. إن السيرة الذاتية عربيا ولدت على شكل خطاب مدرسي وديني لا سيما في القرنين الخامس والسادس عشر. ولتأصيل هذا الفن تاريخيا تنتقل الدراسة إلى البحث في أدبية هذه النصوص وتصويرها للذات، من حيث الحياة العاطفية للمؤلف وسلوكه ودوافعه وتقييم شخصية المؤلف أو جنسيته.

وهي تتخذ منهجيا للوصول إلى هذه الغاية نماذج مختلفة من هذه النصوص، تتبع فيها كيفية تحقق هذه الجوانب أدبيا، كما في دراسة الحياة الخاصة في مذكرات ابن بلقين والسيرة الذاتية عند ابن حجر والعرف الأسلوبي في نص السيوطي.

في حين يقدم الكتاب مجموعة كبيرة من المختارات المستمدة من عدد كبير من نصوص السيرة، لتكون بمثابة أمثلة حية على أدبية هذه النصوص وتناولها للذات وصولا إلى العلامات المختلفة التي تميز هذه النصوص رغم اعتراف الباحثين بالصعوبة التي يواجهها الباحث عند تناول بعض هذه النصوص نظرا إلى صعوبة دراستها منهجيا.

14