باحثون: الأحزاب المغربية نجحت في التنظيم وانهزمت في الحداثة

الخميس 2014/02/06
الطويل: ثمن مشاركة العدالة والتنمية في السلطة أمر سيء

الرباط- أجمع المشاركون في ندوة “الأحزاب السياسية بين التقليد والتحديث”، التي احتضنها المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية على أن اختلالات الممارسة الحزبية سببها عوامل ذاتية وموضوعية. الندوة، التي انعقدت بالعاصمة المغربية الرباط، قاربت الظاهرة الحزبية والأحزاب السياسية في ظل مناخ الحراك الذي تشهده المنطقة.

اعتبر عبد الحي المودن أن السؤال الأساسي الذي يجب أن يتصدر التفكير ليس من يحتكر الحداثة؟، بل ماذا نفعل عندما نختلف وكيف ندبر هذا الاختلاف؟، لأن تدبير الاختلاف واقع حداثي جديد، وترسخ بشكل كبير بعد أحداث الربيع العربي وتواجد المجتمع لأول مرة ليس في مواجهة الدولة فقط بل في مواجهة المجتمع وفاعليه لبعضهم البعض. ودعا المحاضر إلى ضرورة تفادي تدخلات قوى من خارج المجتمع في توجيه دفة الأمور، حيث اعتبر أن الصراعات الدموية التي تشهدها سوريا والتشنجات التي تعيشها مصر سببها وجود قوى لا تريد أن تعترف بشرعية ما يقرره المجتمع.

في السياق ذاته اعتبر المودن أن المجتمع لم يكن مؤهلا بالشكل الكافي ليدبر اختلافاته، وهذا ما يفسر الصراعات الدموية التي انتهى إليها الربيع العربي بعدد من البلدان والصراعات المتشنجة بمصر.

وأضاف أن واقع غياب الأجوبة ذات البعد الشامل أصبح واقعا جديا يمكن أن نسميه “واقع ما بعد حداثي”، حيث تتشتت وتتنوع الإشكالات، وليست لدينا أطروحات كبرى بفعل وجود واقع تعددي، هذا الواقع التعددي يدخلنا في صلب التعددية، ولا يمكن معالجته في المغرب إلا من خلال الاعتراف بمشروعية هذا التعدد.

يقتضي التعدد، حسب المحاضر، تلافي المقاربات المطلقة التي تدعي امتلاك طرف ما للحقيقة، إذ “لا وجود لحزب يمتلك الحقيقة”. وفي سياق فرضياته لتدبير الاختلاف، قال المودن “إننا لا نملك جوابا نهائيا، خاصة وأن تجربة الانتخابات، واعتبار الأصوات هي الفاصل، تعرف صعوبات من خلال النموذج المصري بسبب وجود قوة خارج التعبير السياسي للمجتمع والتي تعتبر أن صناديق الاقتراع ليست هي المؤهلة للحسم في الأمر”.

اعتبر محمد الساسي، أستاذ العلوم السياسية بالرباط، أن الأحزاب المغربية تعرف تحديثا تنظيميا لا يمكن إنكاره، لكنها بالمقابل تعرف تراجعا للحداثة السياسية بما تعنيه من مركزية الإنسان والارتكان لإرادته واعتبار التعاقد الاجتماعي أساس تدبير الحكم وحل مشاكل الناس.

وقال إن التحديث التنظيمي واقعة لا يمكن إنكارها في الحياة الحزبية المغربية نظرا إلى التطورات التنظيمية التي شهدتها الأحزاب المغربية دون استثناء. مضيفا أن هذا التحديث يحمل العديد من المفارقات، ولم ينكر في الوقت ذاته وجود تحديث تنظيمي على مستوى الدولة أيضا.

وحول مناحي هذا التطور التنظيمي قال عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد إن ماضي الممارسات الحزبية، التي كانت تتسم بالمنحى الرئاسي وبتحكم الجهاز التنفيذي وتراكم المسؤوليات الحزبية، ورفض الاختلاف، وتعطيل تداول النخب وغيرها، لم يعد ممكنا. وتعود أسباب هذا التحديث إلى، ما سماه الساسي، قوانين الطبيعة والموت الذي غيب قادة ما يسمى الشرعية التاريخية، بالإضافة إلى ضغط القاعدة، وانتظام الانتخابات التي تشكل لحظة حرية، بالإضافة إلى ظهور وافدين جدد وصراع المصالح بعد أن صارت المهام العمومية مدرة للدخل، وكثرة الأحزاب وما رافقها من نشوء التنافسية. لذلك يقول الساسي “لا وجود لحزب قادر على تجاوز المد العام”.

ومقابل هذا التحديث التنظيمي سجّل المحاضر تراجع الحداثة السياسية بما تعنيه من مركزية الإنسان على المستوى الفلسفي والتعاقد الاجتماعي على المستوى السياسي. وأرجع تراجع الحداثة السياسية إلى كونها وقعت بطريقة قسرية. وقال في هذا الصدد إن التحديث أمر واقع، أما الحداثة السياسية بما تعنيه من تثمين لإرادة الإنسان والعقل وإرادته والشرعية الصاعدة إلى الأعلى وسلطان الإرادة، والعقد فشريعة المتعاقدين.

وفي سياق مفارقات الحياة الحزبية المغربية، سجل الساسي اندحار الحداثة السياسية لدى عدد من الأحزاب اليسارية حيث أن “أضعف المذكرات الدستورية هي المذكرات التي قدمتها الأحزاب اليسارية وهو اندحار للحداثة وقبول للوصاية والطاعة”، يقول الساسي.

عبد السلام الطويل تناول في مداخلته حزب العدالة والتنمية ذا التوجهات الإسلامية، معتبرا أن الحزب يقبل فكرة العلمانية الجزئية وأن موقفه من العلمانية يرتكز على اجتهادات محمد عابد الجابري وعبد الوهاب المسيري.

فوزية الأبيض: الليبرالية جنبت المغرب نموذج الحزب الواحد

وأضاف الباحث أن “الحزب يرفض فكرة العلمانية الصلبة ويقبل العلمانية الجزئية لذلك يمكن القول إن هناك بعدا علمانيا في موقف الحزب في حين يتم التحفظ على الخلفيات المرجعية المادية لمشاريع التحديث. وهكذا، يضيف المحاضر، “نجد في الأدبيات المؤسسة للحزب وعيا بمختلف المدارس الكبرى للعلمانية حيث يرفضون النموذج الجاكوبي الفرنسي ويتفهمون النموذج الأكلوساكسوني الأميركي”.

اعتبر عبد السلام الطويل أن موقف حزب العدالة والتنمية من عدد من القضايا ومن بينها قضية الملكية لم يكن وليد اللحظة، بل تأسس عبر مجهود كبير بذلته مجموعة من النخب للتمييز بين العرش والجالس على العرش.

وحول الشروط الأساسية اللازم توفرها في الحزب السياسي قال الطويل إنه “لا يمكن لأي حزب سياسي أن يقدم نفسه كنموذج إلا إذا حاز على نصابين: أن ينجح في معالجة إشكالية الحداثة والموقف من التراث، وأن يؤسس لحد أدنى من الاستقلالية. لكن حزبا سياسيا عاجزا عن إنجاح جريدة يومية أشك في إمكانية نجاحه في تدبير بلد، لأن الحزب يجب أن يكون محضنة لفكرة الإنتاج وفكرة الفعالية والإبداعية، ولا يجب أن يكون مشجبا للسلطة تراهن عليه لحل الأزمات”.

وفي تحليله لبنية الأحزاب المغربية توقف الطويل عند ما سماه “معوقات البنية الاجتماعية التقليدية، ومعوقات النشأة، في كنف الجماعة الوطنية”. واعتبر في هذا السياق أن الانقسام العلماني الديني معركة خاسرة ولن تفضي إلا إلى التشرذم، كما تحدث عما سماه “عائق الوصم” والذي يعني إطلاق التصنيفات الجاهزة.

في سياق آخر توقفت فوزية الأبيض في مداخلة بعنوان “الأحزاب المغربية بين الحداثة والليبرالية” عند بعض مظاهر الاختيار الأيديولوجي الليبرالي لدى بعض الأحزاب المغربية وحول مدى تجذر وتجسد هذا الاختيار ومدى اندراجه الفعلي في أفق التحديث السياسي. وأشارت المتدخلة إلى مساهمات الأحزاب الليبرالية المغربية في ضمان التعددية الحزبية بعد أن ناهضت التوجه نحو نظام الحزب الوحيد. غير أن المتدخّلة استطردت قائلة إن الليبرالية على المستوى الاقتصادي ظلت دون تطبيق فعلي. وفي سياق حديثها عن حزب العدالة والتنمية قالت الأبيض إن الحزب يعيش تناقضات داخلية بين المتشددين فيه والتيار العلماني.

6