باحثون: المجتمع المغربي "فرداني" والتسويات بين التحديث والتقليد متواصلة

الأربعاء 2014/06/11
القيم الفردية وأثرها على المجتمع المغربي كانت محور الندوة

الرباط - وصف المشاركون في ندوة "القيم وتحولات المجتمع المغربي" التي احتضنها المركز العلمي العربي بالرباط السبت الماضي التحولات القيمية التي يشهدها المجتمع المغربي بشديدة التعقيد، واتفق المحاضرون على الطبيعة المعقدة للتحولات الجارية، حيث أن التحديث والتجديد لا يتصارعان فقط بل يتعايشان ويستعيران من بعضهما البعض عددا من الأقنعة في إطار نوع من الترميق الذي لا يخفي اتجاه المجتمع المغربي إلى مزيد من قيم الفردانية التي تعلي من شأن الفرد، والذي يؤثر على الفعل الجماعي في المغرب.

في مداخلة تناولت القيم الفردانية وأثرها في المجتمع المغربي كشف جمال خليل أستاذ السوسيولوجيا بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء أن المجتمع المغربي يظل بالرغم من كل شيء مجتمعا يتجه أكثر فأكثر نحو القيم الفردانية، لذلك فإن الفعل الجماعي سيظل أقل فعالية، وحول بعض اتجاهات القيم في المجتمع المغربي استعرض الباحث نتائج دراسة ميدانية تصدر قريبا أفادت بأن المجتمع المغربي يتجه أكثر نحو مزيد من الفردانية وبروز الفرد كوحدة مهمة، غير أن ذلك لا يعني نتيجة مطلقة، حيث أوضحت نتائج الدراسة وجود تناقض في تصورات الأفراد، فهم يعتبرون أن الاختلاف السياسي والديني والثقافي حق للجميع وفي نفس الوقت يعتبرون هذا الاختلاف مهددا لوحدة المجتمع.

وقال خليل إن مؤسسات تمرير القيم ظلت واضحة المعالم إلى عهد قريب، حيث مؤسسة الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمحيط عناصر أساسية في هذا التمرير، لكن هذه العناصر ستعرف اختلالا بفعل دخول عناصر جديدة على خط تمرير القيم وخاصة ظهور الإنترنت الذي مكن الناس العاديين من التحول من مجرد استهلاك المنتوجات المادية والثقافية إلى إنتاجها والمساهمة في بناء مضمونها.

واعترف المحاضر بصعوبة القبض على مكامن نسق شديد التعقيد وشديد الديناميكية من قبيل نسق القيم. إنه منظومة متحركة ونظرا إلى تعدد مصادر التأثير فيه ومدخلاته يصبح التكهن باتخاذ القيم هذا الاتجاه أو ذلك أمرا بالغ الصعوبة.

بخصوص القيم الدينية وتحولاتها، قال الباحث الأنتروبولوجي محمد الصغير جنجار إن التغيير في القيم الدينية مسلمة أساسية في علم الاجتماع وفي العلوم الإنسانية، وذكر بالمناسبة بأن عالم الاجتماع ليس من وظيفته تحديد القيم الملائمة من غيرها بل وظيفته هي دراسة وتحليل الوقائع الاجتماعية بعيدا عن الحكم عليها. وبخصوص الموضوع ذاته، اعترف المحاضر بأهمية تجاوز النظرة الخطية والقراءة من فوق للقيم لأن هذه المقاربة أثبتت خطأها.

وحول التجديد في الدين وفي القيم الدينية اعتبر جنجار أن رجل الدين، وأمام التغييرالكبير الذي يشاهده، يحاول دائما تغليف التجديد بالأصل وجعل الجديد يلبس أقنعة الأصل. وأضاف أن المنظومة الدينية تتدبر عملية التجديد والتغيير من خلال الارتكاز على تصور مسبق للدين باعتباره يجسد الحاضر والماضي والمستقبل، لذلك يتوفر الدين على قدرة هائلة على امتصاص الجديد عبر تكرار الصلة بالأصل.

من جهته قال المفكر المغربي محمد سبيلا إن قيم الحداثة والتحديث تتمحور حول نواتين أساسيتين، هما نواة التمايز ونواة العقلنة، وشدد على ضرورة فهم العقلنة بما تعنيه من قدرة على التدبير الحسابي للأهداف والغايات اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وتطرق سبيلا إلى المفعول المزدوج للاستعمار، حيث ينظر إليه كأداة، لكنه ساهم بالمقابل في عملية التحديث إن على المستوى الثقافي أو المادي للمجتمعات التي خضعت له.

وخلص المحاضر إلى أن عملية التحديث عملية شمولية مست كل المناحي، لذلك فقوة القيم التحديثية مارست عنفا على البنيات التقليدية. وفي تحليله لعلاقة القيم التقليدية بالقيم الحداثية، اعتبر سبيلا أن المنظومتين لا تتصارعان فقط، بل إن العلاقة بينهما قائمة على مجموعة من الأسس. إنهما تتصارعان حينا، يقول سبيلا، وتتعايشان أحيانا أخرى، ويضطران إلى قبول مجموعة من التسويات بينهما، بل إن القيم الحداثية تستعير في بعض الحالات أقنعة التقليد لاستمرار تواجدها والعكس صحيح، كما تستعير القيم التقليدية لبوس الحداثة لفرض استمراريتها، وهذا ما سماه سبيلا “لعبة ماكرة للقيم“.

6