باحثون: زيادة ساعات النوم تحسن الاستيعاب لدى المراهقين

تقلب الإيقاعات الحيوية في أجسام البشر يساعد عقولنا وأجسامنا على الحفاظ على "ساعة داخلية" تخبرنا عن الوقت الذي نحتاج فيه إلى تناول الطعام أو النوم، أو إلى الراحة.
الجمعة 2018/12/14
التخلص من متاعب النوم ضرورة

واشنطن- تباينت ردود أفعال أولياء الأمور إزاء تأخير المدارس العامة في مدينة سياتل الأميركية توقيت بدء اليوم الدراسي في خريف 2016، إلى جانب تغيير مواعيد الأنشطة غير الروتينية التي تُمارس خارج المناهج الدراسية المنتظمة، وبالمثل تعديل مواعيد حافلات المدارس، غير أن الدراسات حول تأثير ذلك على المراهقين أكدت استفادتهم من الزيادة في وقت النوم.

واستغرق تنفيذ المشروع واسع النطاق فترة تزيد عن العام، وفي حين فتحت المدارس الابتدائية أبوابها أمام دخول التلاميذ في وقت مبكر، قامت معظم المدارس الإعدادية وجميع المدارس الثانوية بالمدينة بتغيير موعد بداية اليوم الدراسي وتأجيله ساعة، وكما كان الأمل معقودا، استخدم المراهقون وقت الفراغ الذي أتيح لهم بعد تغيير مواعيد الدراسة في الحصول على قسط إضافي من النوم.

ويوصي العلماء بأن يحصل المراهقون على فترة من النوم تبلغ عشر ساعات كل ليلة، ولكن الالتزامات الاجتماعية التي تقع على عاتقهم مثل بدء التحصيل الدراسي، تجبرهم على تغيير جدول أوقات نومهم لتصبح مبكرة في الليالي التي يتوجهون في صباحها إلى المدارس أو على اختصار فترة النوم.

وأعلن الباحثون بجامعة واشنطن ومعهد “سالك” للدراسات البيولوجية في ورقة بحثية نشرتها دورية “ساينس أدفانسيز”، أن المراهقين في اثنتين من المدارس الثانوية بمدينة سياتل حصلوا على فترة أطول من النوم خلال العام الدراسي، بعد تأخير موعد الذهاب إلى المدرسة. وبلغ متوسط الزيادة في وقت النوم 34 دقيقة كل ليلة، مما عزز القسط الإجمالي لفترة النوم في العام الدراسي، بمقتضى النظام الجديد.

الإيقاعات الحيوية في جسم المراهق التي تتكرر كل 24 ساعة، تختلف بشكل جوهري عن مثيلتها لدى الراشدين والأطفال

وقال أستاذ علم الأحياء بجامعة واشنطن، هوراشيو دي لا ليجيلزيا، الباحث المشرف على الدراسة، “تشير هذه الدراسة إلى حدوث تحسن ملموس في استمرارية النوم لدى الطلاب، وتحقق ذلك عن طريق تأخير وقت بدء الدراسة، الأمر الذي يمكنهم من التوافق مع أوقات الاستيقاظ المناسبة للمراهقين”.

وجمعت الدراسة بيانات حول علاقة الضوء بالنشاط، عن طريق استخدام المشاركين شاشات مراقبة نشاط مفصل المعصم، بدلا من الاعتماد على أنماط النوم التي يفصح عنها هؤلاء مثلما هو معهود في الدراسات المتعلقة بالنوم، وذلك لإظهار أن تأخير موعد بدء الدراسة يفيد المراهقين عن طريق السماح لهم بالحصول على قسط أطول من النوم كل ليلة.

وكشفت الدراسة أنه بعد تغيير المدارس لموعد بدء الحصص الدراسية، لم يسهر الطلاب بشكل ملحوظ في ما بعد، بل طالت فترة نومهم، وهو، وفق العلماء، سلوك متوافق مع الإيقاعات البيولوجية الطبيعية للمراهقين.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة جيديون دانستر طالب الدكتوراه في علم الأحياء بجامعة واشنطن “أشارت الأبحاث التي أجريت حتى الآن إلى أن الإيقاعات الحيوية في جسم المراهق التي تتكرر كل 24 ساعة، تختلف بشكل جوهري عن مثيلتها لدى الراشدين والأطفال”.

وتوضح الدراسة أن تقلب الإيقاعات الحيوية في أجسام البشر يساعد عقولنا وأجسامنا على الحفاظ على “ساعة داخلية” تخبرنا عن الوقت الذي نحتاج فيه إلى تناول الطعام أو النوم، أو إلى الراحة.

وتتفاعل العوامل الوراثية لدينا مع العوامل الخارجية الموجودة في البيئة المحيطة بِنَا مثل ضوء الشمس، لكي تخلق هذا الكم المتواصل من النشاط، ولكي تحافظ على استمراره، غير أن بداية سن البلوغ تطيل دائرة الإيقاعات الحيوية في جسم المراهق، وتنقص حساسية الإيقاعات للضوء وقت الصباح. وتدفع هذه التغيرات المراهقين إلى النوم في وقت متأخر، والاستيقاظ في وقت متأخر مقارنة بمعظم الأطفال والراشدين.

وأوضح دي لا ليجيلزيا “إذا طلبت من مراهق أن يستيقظ وأن يكون على أهبة الاستعداد في السابعة والنصف صباحا، يماثل هذا الطلب أن تطلب من راشد أن يكون نشيطا ومتأهبا في الخامسة والنصف صباحا”.

يحصل المراهقون على فترة من النوم تبلغ عشر ساعات كل ليلة، ولكن الالتزامات الاجتماعية تجبرهم على تغيير جدول أوقات نومهم
يحصل المراهقون على فترة من النوم تبلغ عشر ساعات كل ليلة، ولكن الالتزامات الاجتماعية تجبرهم على تغيير جدول أوقات نومهم 

ويمكن أن تؤثر بعض الأجهزة التي يصدر عنها ضوء مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، بل وحتى المصابيح اللد التي يصدر عنها ضوء أزرق، على الإيقاعات الحيوية لأجسام المراهقين والراشدين أيضا، بما يؤخر الدخول في النوم.

ويؤكد دانستر أن جميع الدراسات التي أجريت حول أنماط النوم لدى المراهقين في الولايات المتحدة، أشارت إلى أن الوقت الذي يقع فيه المراهقون بشكل عام تحت سلطان النوم يتم تحديده وفقا لعوامل بيولوجية، ولكن الوقت الذي يستيقظون فيه، يتم تحديده وفقا لاعتبارات اجتماعية.

وبعد مرور سبعة أشهر على بدء تأخير موعد بدء اليوم الدراسي، أجرى الباحثون تجربة على 88 طالبا ووضعوا في أيديهم نفس أجهزة المراقبة. واستخدم الباحثون البيانات الخاصة بالضوء والحركة التي رصدتها الأجهزة لتحديد الوقت الذي ينام ويستيقظ فيه الطلاب، كما تقدم طلاب المجموعتين بمعلومات ذاتية عن البيانات الخاصة بنومهم.

وكشفت النتائج الزيادة الملحوظة في استمرارية فترة النوم، والتي ترجع إلى حد كبير إلى تأثير زيادة جرعة النوم خلال أيام الأسبوع. وأشار دي لا ليجيلزيا إلى أن “34 دقيقة من النوم الإضافي كل ليلة لها تأثير كبير على المراهق”.

كما كشفت الدراسة عن تغييرات أخرى بخلاف النوم، بعد تأخير موعد بدء اليوم الدراسي، فقد تحركت أوقات استيقاظ الطلاب خلال أيام الأسبوع وعطلات نهاية الأسبوع بشكل متوافق، كما تحسن أداؤهم الدراسي.

ويأمل الباحثون في أن تساعد الدراسة  على إثراء المناقشات في الدوائر التعليمية حول مواعيد بدء اليوم الدراسي، وأوصت الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال في 2017 بألا يبدأ اليوم الدراسي في المدارس الإعدادية والثانوية قبل الثامنة والنصف صباحا.

وأضاف دي لا ليجليزيا “موعد بدء اليوم الدراسي له تداعيات خطيرة بالنسبة لاستيعاب الطلاب للمواد التعليمية، والمراهقون لديهم طبيعة مشتركة واحدة، والسؤال الآن ‘ما هو الجدول الذي ستضعه مدارسهم؟’”.

21