باحثون غربيون: مجابهة الإرهاب تستوجب إدراكا لمسبباته

السبت 2015/03/14
الأسباب التي تدفع إلى تشكل الجماعات الإرهابية تتجاوز الدواعي الدينية إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية أعمق

لطالما اعتبر الإرهاب، ظاهرة معقّدة ومركّبة، تستوجب دراسته الإحاطة بجميع جوانبه ومسبباته، وهو ما أكسبه أشكالا عديدة فرضت عدم حصره في صورة نمطية واحدة. تعدّد وتنوع دفعا عددا من الخبراء الدوليين المتخصصين في مجالات معرفية متعددة إلى تقديم خلاصة أبحاثهم في مواجهة الإرهاب والقضايا الآنية المرتبطة به في العصر الحديث في كتاب حمل عنوان "الوجوه المتعددة للإرهاب".

يعمل خبراء دوليون متخصّصون في مجالات معرفية متعدّدة، في إطار مجموعة من الدراسات التي تمّ جمعها في كتاب يحمل عنوان "الوجوه المتعددة للإرهاب"، على الكشف عن الوجوه المتباينة والطبيعة المتنوعة للإرهاب، محاولين سبر أغوار شخصية "الإرهابي"، من خلال التركيز على الإرهاب الذي يجد جذوره بشكل أساسي في التطرف الإسلامي، دون أن يغفلوا أيديولوجيات ومذهب دينية أخرى يمكن أن تكون وراء تشجيع العنف.

ويتعرض الباحثون إلى العلاقة القائمة بين التّطرّف والجريمة المنظّمة، من خلال تسليط الضوء على جرائم الاختطاف مقابل الفدية، دون التغافل عن الشكل المعاصر للإرهاب الذي يعتمد بشكل كبير على الشبكة العنكبوتية، ودور الإنترنت المتنامي في الحياة المعاصرة.


وجوه متعددة


يرى الباحث ديفيد كانتر، الذي جمع وحرر البحوث التي ضمّها الكتاب، أنه لابد من التعامل مع ظاهرة الإرهاب على أنّها "وحش متعدد الرؤوس"، حتى يتمّ تغلب عليها، فهي في نهاية الأمر مشكلة متعددة الجوانب ومعقدة التركيب.

ويؤكد كانتر "أنّ السبيل الوحيد للقضاء على أسباب الإرهاب هو التعامل معه على أساس كونه ظاهرة مركبة ومتعددة الوجوه والجوانب".

ويلفت نيل فيرغسون من مركز "ديزمزند توتو" لدراسات الحرب والسلام في دراسته التي تحمل عنوان "من السذاجة إلى الاحتراف" إلى أنّ مراجعة حديثة وشاملة للأبحاث تثبت أن فهم أسباب العنف المسلح يتطلب تحليلا أكثر تكاملا وشمولا. تحليل يأخذ في الاعتبار العوامل الداخلية كما يتضمن أيضا العوامل الخارجية والاجتماعية للأفراد إلى جانب مراعاته لديناميكية مشكلة الإرهاب. وعلى الرغم من القصور المنهجي للأبحاث الخاصة بالإرهاب، وفق فيرغسون، فإنه يمكن الإقرار من خلال الدراسات السابقة الخاصة بالإرهابيين المنتمين إلى جماعات مختلفة عبر العالم، أن هناك قائمة عوامل يتفق الجميع عليها ويرجحون مسؤوليتها عن تحول الأفراد العاديين إلى إرهابيين. ويقول "إنّه من خلال التّجارب السابقة في هذا المجال، يمكن أن نجزم بفاعلية هذه القائمة"، والتي تتضمّن عوامل عدّة من بينها:

نيل فيرغسون: فهم أسباب العنف المسلح يتطلب تحليلا أكثر تكاملا وشمولا


وجود حالة من المعاناة أو المظالم تشعر بها مجموعة ما.


السن والنوع، حيث تثبت الأبحاث أن الجهاديين عادة ما يقومون بتجنيد وتدريب الشباب.


الروابط العائلية أو روابط الصداقة التي قد تلعب دورا مهما في الانضمام إلى الجماعات المسلحة.


دافع الانتقام الذي يعتبر سببا أساسيا من أسباب الانضمام إلى جماعات العنف السياسي.

وأكد الباحثون أن دافع الانتقام يعدّ من بين أكثر الدوافع تحفيزا للتحرك بهدف تقويم الأخطاء، ويمكن التعويل عليه كسبب أساسي من أسباب الانضمام إلى جماعات العنف السياسي، ويذخر تاريخ الجماعات المسلحة بالفعل بكثير من الحوادث التي يحركها الانتقام أو الثأر لمجتمع معين أو لأصدقاء يقعون ضحايا لظلم الآخرين، مما يدفع ويحفز الشبان للانضمام إلى المجموعات المسلحة.

ويخلص فيرغسون إلى أنّ الدراسات تشير إلى أن التعرض الشخصي لتجربة العنف أو تعرض فرد من أفراد العائلة أو صديق مقرب أو حتى مجتمع ككله إلى هذه التجربة ومعايشتها، قد يدفع الفرد إلى طريق الإرهاب أو إلى الانضمام إلى جماعات مسلحة كردّة فعل انتقامية أو كنتيجة لتعاطف شديد مع ضحايا العنف، ممّا يؤدي إلى الاصطدام بعوامل شخصية أو اجتماعية لدى الفرد، هي التي تدفعه إلى الانخراط في هذا الطريق، والعنف قد يكون موجها لجماعة مسلحة أو غير مسلحة أو إلى الدولة بشكل عام.

ويؤكد خبير الإرهاب، الدولي فتحالي م.موغدم، من جامعة جورج تاون، في دراسته التي تحمل عنوان "فك الاشتباك مع الراديكالية وبدء النزول على السلم الإرهابي"، أنّ الإرهاب لا يقتصر على الفعل الإرهابي فحسب، بل تسبقه عملية تحول يخضع لها الفرد، وهو ما يتفق فيه مع دراسة "فك الاشتباك مع الإرهاب" لجون هورغان.

ويشبه موغدم عملية التحول التي تحدث للفرد بالصعود على درج مبنى مكون من عدة طوابق وكل طابق يمثل مرحلة معينة في العملية الإرهابية، حتى يصل إلى مرحلة الإرهاب الفعلي، حيث يبدأ في التورط في أعمال العنف التي تكون بدافع سياسي أو لتحقيق هدف أيديولوجي.


الإرهاب يختلف عن الجريمة المنظمة


يتطرّق كل من ديباك ك.جوبتا وجون هورجان وأليس.ب.شميدث في دراستهم التي تحمل عنوان "الإرهاب والجريمة المنظمة.. بعدا نظريا" (التي مولها جزئيا معهد الولايات المتحدة للسلام) إلى ضرورة إنهاء الخلط السائد بين الإرهاب وجماعاته والجريمة المنظّمة في الإعلام والدراسات العلمية والأكاديمية، حيث يكشف الباحثون أنّ "المجموعة الإرهابية تسعى إلى تغير الوضع السياسي الحالي من خلال أعمال العنف والفوضى التي تتسم بها أنشطتها، بينما جماعات الجريمة المنظمة الحديثة والمحنكة تسعى إلى العمل مع الأنظمة القائمة، مُحاولة اختراقها من خلال تقديم الرشاوى أو من خلال أساليب الابتزاز والتهديد، ومن هنا تجد مصلحتها في بقاء النظام القائم كما هو، خاصّة إذا كان يروّج لأعمالها ويرعى مصالحها".

ويلفت مؤلفو الدراسة، إلى أن تعامل الدولة يكون مختلفا مع هذين النوعين من التنظيمات لأنّ أهدافهما مختلفة، فالإرهاب يعتبر أكثر خطورة من الجريمة المنظمة في مقياس الدول والأنظمة الحاكمة، إذ يكون بمثابة التهديد العام والسياسي في الوقت ذاته، وأعماله تتسم بالعنف وترمي إلى الإثارة ولفت الانتباه، كما أنّ أنشطته تكون عشوائيّة، وهو ما يُفضي إلى زعزعة للاستقرار والشّعور بالأمن بين أفراد المجتمع بأثره، أمّا الجريمة المنظّمة فهي تستهدف عادة قطاعات محدّدة غالبا ما تكون قطاعات بعيدة عن المركز أو تكون على حافة المجتمع، ومن هنا كان من المتوقع أن يكون ردّ فعل الدولة وأجهزتها تجاه حوادث الإرهاب وتهديداته أكثر صرامة وشدة مقارنة بالجريمة المنظمة.

السبيل الوحيد للقضاء على أسباب الإرهاب هو التعامل معه على أساس كونه ظاهرة مركبة ومتعددة الوجوه والجوانب

وأثبت سام مولينز في دراسته التي تحمل عنوان "الشبكات الإرهابية.. سلوكيات المجموعات الصغيرة"، من خلال تحليله للتّطور الذي مرّ به مخطّط الألفية لتفجير مطار لوس أنجلس عام 2000 واعتداءات 11 سبتمبر 2001، أنّ الشبكات الإرهابية كيانات ديناميكية تتغيّر وتتطور من نواح مختلفة. ورغم ذلك فقد كان من المثير للاهتمام ملاحظة أنّ الخطط التي باءت بالفشل كانت تلك التي اعتمدت على هيكل أقلّ استقرارا؛ فخطّة تفجير برجي التجارة ووزارة الدفاع الأميركية، التي خلفت آثارا كارثية، اعتمدت على هيكل أكثر استقرارا.

ويرى مولينز أنّ استقرار بنية المجموعة يعمق من شعور الأعضاء بتقاسم هوية مشتركة وانصهار الهوية الشخصية لكل فرد داخلها، وهذا الاستقرار الاجتماعي لبنية المجموعة يساعد على تكريس الأيديولوجيا المشتركة بينهم، ممّا يعزز من الطاعة ويزيد من العنف أيضا.

ويدرس كليف وليمز حالة المهاجر الباكستاني فاهيم خالد لودهي، الإرهابي الذي حكم عليه في أستراليا بالسجن عشرين عاما عام 2006 لتورّطه بالاشتراك في ثلاث عمليات إرهابية، وقبل القبض عليه في 2004 لم يكن لديه أي ملفات إجرامية تدينه.

ويرى أن الذي حدث للودهي حدث للكثير من الشباب الباكستاني الذي يقطن المجتمعات الغربية، تعرض لعمليات غسيل أدمغة على يد الجماعات الارهابية،

وقال وليمز "إننا بحاجة إلى مزيد من الأبحاث الخاصة بالإسلاميين المتطرفين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية، ويعملون فيها، خاصة من ينعمون بحياة مهنية مستقرة، ويزعمون أنهم لا يضمرون أي عداء أو يشعرون بكراهية تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، كما هو الحال بالنسبة إلى الدوهي، وذلك للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء اتجاهاتهم العدوانية الجديدة تجاه أوطانهم الغربية".

ويخلص الباحث جيفري إيان روس، في دراسته المقارنة بين منظمات "فتح ـ فلسطين" و"فارك ـ كولومبييا" و"بيرا ـ أيرلندا" إلى أنّ العامل الأساسي والمشترك بين هذه المنظمات الثلاث، هو استمرار شعورها بالظلم والقهر، وهو في حقيقة الأمر، يعتبر أقوى الدوافع التي تعمل على استمرارها ومواصلة كفاحها على الإطلاق.

6