باحثون في المغرب يفككون الفكر التكفيري ويطالبون بتطوير الخطاب الديني

الفكر التفكيري المتطرف وسرعة انتشاره بين الشباب يجعل مسألة مقاومته من مشمولات العلماء الذين ينبغي عليهم تطوير الخطاب الديني للتصدي إلى هذه الظاهرة التي أنتجت حركات الإسلام السياسي العنفية ذات الأيديولوجيات المتطرفة المستندة إلى تفسيرات وتأويلات خاطئة للنصوص الدينية، وهذا ما تدعو إليه عديد المؤتمرات الفكرية والدينية التي تعالج ظاهرة التطرف والغلو في الدين وتأثيراتها السلبية على المجتمعات.
الأربعاء 2015/06/17
تربية الشباب على العقيدة الصحيحة تحميهم من الوقوع فريسة لحركات الغلو والتطرف الديني

أجمع مفكرون وباحثون مغاربة وأجانب على ضرورة التصدي إلى ظاهرة الإرهاب باسم الدين الإسلامي من خلال الدراسة العلمية الدقيقة للعقيدة الإسلامية، وتخليصها من الشوائب، ومحاربة التأويلات الفاسدة، وإعادة صياغة مشروع فكري وتربوي كفيل بالحد من آفة التطرف الديني في المغرب والعالم الإسلامي، وبلورة رؤية للحوار بين الحضارات والثقافات لوقف زحف المتشددين من أي ديانة كانوا.

جاء ذلك في ندوة فكرية شهدتها كلية علوم التربية بالعاصمة المغربية الرباط يوم 11 يونيو الجاري، تحت عنوان “التربية العقدية ودورها في الحماية من التطرف الديني”، نظمت بشراكة بين فريق البحث “الشباب والتحولات المجتمعية والتربية” بكلية علوم التربية، و”مركز حوار العقائد والرسالات”، حضرها عدد من المفكرين والباحثين المتخصصين في قضايا الدين والعقيدة والجماعات الإسلامية، ورئيس المجلس العلمي المحلي بالرباط، ومندوب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

ترأس الجلسة الافتتاحية الشيخ الدكتور محمد أمين السماعيلي، أحد أبرز المتخصصين في الدراسات العقدية في الجامعة المغربية، والذي أكد في كلمته الافتتاحية أهمية الدراسات العقدية في الحد من غلو التشدد والتكفير، والعودة إلى منابع الوحي الصافية بعيدا عن انحرافات التأويل المتشدد لنصوص العقيدة.

وقد عرفت الجلسة الصباحية التي ترأسها الباحث أبو بكر الرفيق، تقديم مجموعة من العروض، استهلت بمداخلة للباحث إدريس الرتيمي عن “إشكالية التأويل وأثره في الغلو والتطرف الديني”، أوضح من خلالها الأسباب الكامنة وراء ظهور الانحرافات العقدية وعلى رأسها التأويل وعدم مراعاة مرامي النصوص ومقاصدها. وقال الرتيمي إن قضية التأويل شهدت عدة تحولات في المفهوم في التاريخ الإسلامي، إذ بدأ التأويل في القرون الأولى باعتباره نوعا من التدقيق في مرامي النصوص الدينية وفق قواعد علمية صارمة، ثم أصبح يعني الدخول إلى كنه النصوص الدينية لمعرفة مضامينها التي قد تكون مبثوثة فيها، إلى أن أصبح في القرون المتأخرة يعني إضفاء الفهم البشري على النصوص الدينية وتحريفها عن سياقاتها والتلاعب بها بين مختلف الفرق والطوائف الدينية.

المداخلة الثانية كانت للباحث الأميركي بول هيك تحت عنوان “التطرف الديني والفكرة الإنسانية: حالة تناقض”، تطرق فيها إلى الفجوة الحاصلة بين الهوية والفطرة، حيث اعتبر أن الهويات من طبيعتها التناقض والتقاتل دفاعا عن تفرّدها وتميزها عن الهويات الأخرى، وهو ما يؤدي إلى الحروب الحضارية والدينية. ودعا هيك إلى العودة إلى مفهوم الفطرة الإبراهيمية التي تعد بمثابة المدخل لدراسة الأديان عبر الحضارات وأساس التخلص من الغلو والتطرف، لأنها تتضمن ما هو مشترك بين مختلف الديانات الكبرى في العالم.

العلاقة بين التطرف العقدي وبين الدوافع النفسية التي تكون عاملا محركا للعقيدة تتحول إلى سلوكات متطرفة

وجاءت المداخلة الثالثة للباحث إدريس الكنبوري تحت عنوان “مفهوم التوحيد وأثره السياسي في فكر جماعات التشدد الديني”، التي تعرض فيها إلى قضية التوحيد في تاريخ الإسلام وما شهدته من مراوحة بين الدين والسياسة، منذ ظهور المعتزلة التي حملت اسم “أهل التوحيد والعدل”، مرورا بحركة محمد بن عبدالوهاب في القرن التاسع عشر، ثم حركة الإصلاح الديني في بداية القرن العشرين مع محمد عبده وغيره، قبل أن تتحول قضية التوحيد إلى مصدر للتشدد مع الجماعات المتطرفة التي رفعت شعار “توحيد الحاكمية”، وما ترتب عنه من مفاهيم أخرى كالولاء والبراء والجهاد والتكفير. وتوقف الكنبوري عند بعض الحركات والجماعات المتشددة المسلحة التي تلحق عبارة التوحيد بأسمائها، والتي تدعي أن هدفها هو “تحقيق التوحيد في الأرض”، معتبرا أن مفهوم التوحيد خرج من ركن العبادة إلى ركن القتال.

بينما كانت المداخلة الرابعة للباحث عبدالسلام بنزروع تحت عنوان “نظرية المعرفة في القرآن بين العقيدة والتشريع”، وقد أثار فيها الباحث مشروعية التساؤل عن وجود نظرية المعرفة ومراحل ظهورها وتطورها، لينتقل إلى بيان الفروق بين الفطرة والغريزة الإنسانية، في سياق البحث عن مصدر الأفكار، والدعوة إلى العودة للحنيفية في جوهرها المتمثل في الميول عن الباطل إلى الحق.

أما الفترة المسائية فعرفت تقديم عروض، قدم أولها الباحث سامر الجعبري الذي تحدث عن “التطرف الديني: الأسس والتجليات والنتائج”، حيث أوضح عددا من تجليات التطرف الديني في العالم الإسلامي اليوم، من خلال المواقف الاجتماعية والسلوكات اليومية والآراء الاعتقادية الشائعة، التي تعزز منحى التطرف لدى الشباب.

بينما كانت المداخلة الثانية بعنوان “أيّ وسطية نحتاج اليوم” للباحث مصطفى زرهار، التي توقف فيها عند نماذج من التشدد في الديانة اليهودية، ضاربا لذلك أمثلة من الكتب المقدسة لدى اليهود، قبل أن يعرّج على بعض مظاهر التطرف الديني في الفكر الإسلامي الحديث، وتشريح الأفكار المتطرفة التي تقود الشباب إلى اعتناق الفكر التكفيري. وأخيرا كانت مداخلة الباحث أحمد الزيادي تحت عنوان “التربية العقدية بين السنة وعلم النفس”، أكد فيها على دور تربية النشء عقديا لحماية هويتهم من أيّ زيغ أو انحراف أو تطرف، وتطرق فيها أيضا إلى العلاقة بين التطرف العقدي الذي يحصل لدى الشباب وبين الدوافع النفسية والسيكولوجية التي تكون عاملا محركا للعقيدة لكي تتحول إلى عنف اجتماعي وسلوكات متطرفة.
الهويات من طبيعتها التناقض والتقاتل دفاعا عن تفرّدها وتميزها عن الهويات الأخرى، وهو ما يؤدي إلى الحروب الحضارية والدينية

وقد أوصى المشاركون بمجموعة من التوصيات الهادفة إلى تحصين العقيدة الدينية في الإسلام من الانزلاق نحو التطرف الديني، منها إذكاء روح التنوع في مناقشة مختلف الظواهر ذات الأثر الخطير على مجتمعاتنا، وأن تصبح الطريقة الشمولية في المناقشة سنّة في المحافل العلمية والإعلامية ليصل النقاش إلى أكبر عدد ممكن من شرائح المجتمع وتتحقق النتائج المرجوّة منه.

وستجد كل المناقشات سبيلها إلى النشر والتعميم، لإتاحة الاستفادة منها إلى المهتمين والمسؤولين وأصحاب القرار، إضافة إلى العمل على إيصال هذه المناقشات إلى الجهات الأجنبية بهدف الحد من المواقف المتطرفة في الغرب تجاه الإسلام والمسلمين، ممّا يذكي نيران التطرف الديني في العالم الإسلامي.

وكذلك إشراك الفاعلين في المجتمع المدني والمعاهد المختلفة والمؤسسات في مناقشة الظاهرة بما فيها من مدارس وجامعات مختلفة. مع الحرص على دور العلماء في تصحيح الأفكار حول مفهوم الدين للشباب وللأجانب عن الإسلام.

زيادة على مد جسور التواصل مع الآخر الأجنبي. والانفتاح على كل المناهج الجديدة والحديثة لدراسة الظاهرة الدينية بسبب اختلاف أبعادها، وذلك ضمانا لامتداد التطبيق من حيث الزمان والمكان. وكذلك انفتاح الجامعات في العالم العربي والإسلامي على قضايا التطرف الديني والجوانب العقدية فيه.

13