باحثون مغاربة: الاحتجاج في المنطقة العربية ليس وليد عقيدة

العالم العربي استوعب الاحتجاج لكن لم يستوعب الفرق بين الشغب والثورة الحقيقية.
الاثنين 2018/03/05
نقاش فكري عن ظاهرة الاحتجاج

الرباط - منذ اندلاع ثورات ما سمي بالربيع العربي عام 2011 التي كانت تونس أولى شراراتها لتنقل إلى مصر وليبيا بعد ذلك، بات الشارع وسيلة المواطن العربي للتعبير عن مواقفه من نخبه السياسية من جهة، وللاحتجاج للضغط من أجل تحقيق مطالبه المعيشية من جهة أخرى.

ورغم أن المواطن استطاع بالاحتجاج أن يكسر حاجز الصمت والخوف في ظل أنظمة قمعية قبل الإطاحة بها منذ بزوغ الربيع العربي، إلا أنه تحول في المرحلة التي تلت الثورات إلى أداة للصراع السياسي بين الأحزاب ومساحات للتعبير عن الرأي لتيارات حديثة العهد بالديمقراطية.

وبتتالي السنوات على الانتفاضات العربية تقلص حماس المواطن العربي من أنظمته الجديدة، حيث لم تنجح في الوفاء بوعودها ولم تحقق أبسطها كتوفير فرص عمل للشباب العاطل وتنمية عادلة.

شعر المواطن بأنه لا شيء تغير غير ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب وتراجع الخدمات وعمليات إرهابية من حين إلى آخر تتوعد بالنيل من الأمن والسلم المجتمعي واستشراء أفكار متطرفة تسعى إلى استقطاب الشباب العربي وجره إلى بؤر التوتر وساحات الموت.

وأمام هذا الوضع المتردي للشارع العربي فكريا وسياسيا، لم يجد المواطن متنفسا له للتعبير عن استيائه من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة غير الاحتجاج، وإن رافقه العنف في مرات كثيرة ما جعله يحيد عن سلميته ليتحول بذلك إلى مساحة من الفوضى.

ولم تتوقف الاحتجاجات بالمدن العربية انطلاقا من تونس، مهد الربيع العربي، التي لم تهدأ فيها وتيرة التحركات الاجتماعية المصرة على حق الشباب في التشغيل إلى الآن، كما لم تتوقف عن التنديد  بإجراءات الحكومة القاسية للنهوض باقتصاد متردّ منذ عام 2011.

وبالتزامن مع الاحتجاجات في تونس اشتعلت الساحة الجزائرية بالإضرابات والاحتجاجات، لتمسّ أكثر القطاعات حساسيّة، فما بين متقاعدي الجيش، والأساتذة والأطباء وعمال الخطوط الجوية والطلبة والمحامين تعددت الاحتجاجات، وتوحدت المطالب ما بين الترفيع في الأجور وتحسين المحيط الوظيفي ورحيل عدد من المسؤولين. كما شهد المغرب “حراك الريف” الذي يطالب بعدالة تنموية وبمكاسب معيشية تحارب الفقر. وفي السودان، بلغت الاحتجاجات ذروتها على وقع الفشل المتراكم للسياسات الاقتصادية والمالية ولمشاريع التنمية. وفي الأردن، أدى رفع الدعم عن الخبز وزيادة الضرائب على العشرات من السلع الضرورية إلى اندلاع موجة من الغضب الشعبي، بلغت حد الاشتباك مع الأجهزة الأمنية في بعض مدن البلاد.

وشرح باحثون مغاربة ثقافة الاحتجاج التي استشرت في العالم العربي. واعتبر هؤلاء أن الاحتجاج في المنطقة العربية تحول إلى ثقافة مجتمعية رغم أنه ليس وليد معتقد أو عقيدة أيديولوجية. جاء ذلك خلال ندوة حول “ثقافة الاحتجاج بين الفلسفة والقانون”، نظمتها مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” (بحثية عربية)، مساء السبت، بالعاصمة الرباط.  كما اعتبر الباحثون أن مكمن الضعف في الاحتجاجات التي تعرفها المنطقة أنها لم تنته إلى صياغة قاعدة أخلاقية لمناقشة قضايا الدين والفكر.

وقال عز العرب الحكيم بناني، أستاذ “فلسفة الدين” بجامعة سيدي محمد بن عبدالله (حكومية)، في مداخلته إن “الاحتجاج في المنطقة له طابع المقاومة في السياسة والثقافة والفن والحياة الاجتماعية؛ لأن الغالبية أدركت أنه لا وجود لسياسة اجتماعية حقيقية في غياب حركة اجتماعية”. وأضاف أن “أكثر ما يغذي الاحتجاجات في المنطقة هو القراءة التجزيئية للدساتير التي ترفع عن النص القانوني قيمه الأخلاقية”.

من جانبه، اعتبر الباحث المتخصص في الفلسفة، عزيز قميشو، أن “تحوّل الاحتجاج إلى ثقافة مجتمعية ليس مرده المبدأ الديني المتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما الاقتناع بالمقاومة سبيلا للتغيير”.

وأضاف أن “دول العالم الثالث تعيش مرحلة دقيقة، بعدما استوعبت الحق في الاحتجاج، دون أن تستوعب الفرق الموجود بين العصيان والعنف والثورة”.

وشدّد قميشو على أنه “في حالة حصول تعارض بين العدالة والقانون ينبغي إلغاء القانون لتحقيق الإنصاف”.

أما الباحث محمد بن لمقدم فاعتبر أن “الدول العربية بخلاف الغربية غير قادرة على تقديم تأويل سليم لدساتيرها”. وقال إن “كل تأويلاتها يسيطر عليها الهاجس الأمني وليس مفاهيم الكرامة والحرية وحقوق الإنسان”.  ورأى بن لمقدم أن “الاحتجاجات تتجاوز التنظيمات الحزبية وتقدم نقدا للديمقراطية التمثيلية”. وحذر من “الخطابات (دون أن يحددها) التي يروجها الحكام لإبعاد عموم الطبقات الشعبية عن الفعل السياسي باعتباره دنسا”.

ومنذ 2011 شهدت المنطقة العربية موجة احتجاجات عرفت بـ“ثورات الربيع العربي” التي شملت تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن.

7