باحثون يطورون علاجا جينيا جديدا ضد الخلل المناعي الخِلقِيّ

المصابون بـ"عوز المناعة المشترك" غالبا ما يموتون في سنتهم الأولى، والعلاج الجديد يتضمن التخلص من بعض خلايا دم المريض واستخدام فيروس نقص المناعة المكتسب لإدخال الجين المفقود.
الخميس 2019/04/25
الخلايا المصححة تزرع مرة أخرى داخل المرضى

يولد بعض الأطفال حاملين لخلل خلقي بالجهاز المناعي، ويعرقل هذا الخلل عملية التصدي للفيروسات والأمراض، عبر السماح بتسرب الأجسام المضادة من الجهاز. وقد كانت هناك محاولات علاجية سابقة للمرض النادر، في محاولة لتفادي نقص المتبرعين، لكنها تسببت في إصابة البعض بسرطان الدم.

ممفيس (الولايات المتحدة) – نجح باحثون من الولايات المتحدة في استعادة مناعة الجسم لدى أطفال ولدوا بعيب جسيم في الجهاز المناعي. أعطى العلاج الجديد للأطفال المصابين بما يعرف بـ”عوز المناعة المشترك” الجسيم الذي يصيب الصبغي اكس (X)، القدرة على تكوين مختلف أنواع الخلايا المناعية.

ونشر الباحثون تحت إشراف إيولينا مامكارز، من مستشفى “سانت جود” لأبحاث الأطفال بمدينة ممفيس، النتائج المؤقتة لدراستهم التي راجعت عنصر الأمان وفعالية الفكرة، في العدد الأخير من مجلة “نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين” للأبحاث الطبية.

ومرض “عوز المناعة المشترك” الجسيم هو مرض نادر يفتقد الأطفال المصابون به لنظام مناعي سليم. ويصيب هذا المرض طفلا من بين كل 50 ألف طفل حديث الولادة، تقريبا. وغالبا ما يموت المصابون في سنواتهم الأولى إذا لم يتلقوا العلاج المناسب.

 وأثارت قصة الطفل ديفيد فيتر في سبعينات القرن الماضي الكثير من الصخب الإعلامي، حيث اشتهر بسبب إصابته بالمرض، وطورت له وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) سترة واقية خاصة به، لمنع إصابته بأي عدوى.

سبب الإصابة بالمرض هو حدوث تحور في الجين الذي يحمل خطة تكوين أحد البروتينات المهمة للنظام المناعي

وُلد فيتر الذي لُقّب بـ”طفل الفقاعة” عام 1971 حاملا للمرض، ومات في سن الثانية عشرة بعد عملية فاشلة لزراعة نخاع. وفي غضون 20 ثانية من ولادته في مستشفى أطفال تكساس في مدينة هيوستن، وُضِع فيتر في غرفة بلاستيكية معزولة، حيث عاش حتى سن السادسة بالسترة البلاستيكية الواقية. وكانت وفاته نتيجة عن وجود فيروس مستتر في خلايا نخاع العظام التي تم زرعها له بعد تبرع أخته بها. وقبل أن يولد فيتر، كان أبواه قد فقدا طفلا بسبب نفس المرض.

وسبب هذا المرض هو حدوث تحور في الجين “آي.أل2. آر.جي”، الذي يحمل خطة تكوين أحد البروتينات المهمة للنظام المناعي.

في الوقت الحالي، يعتبر العلاج الأفضل لمرض نقص المناعة المشترك هو زراعة نخاع من مانح شقيق ذي أنسجة متطابقة. ولكن طبقا لمستشفى سانت جود، فإن أقل من 20 بالمئة من الأطفال في الولايات المتحدة يجدون متبرعا مناسبا، ومن ثمّ يتعين الاعتماد على خلايا الدم الجذعية من مانحين آخرين، ونادرا ما تجدي هذه العملية في علاج مرض طفل الفقاعة، فضلا عن زيادة احتمال أن تكون ذات آثار جانبية خطيرة.

وكبديل عن ذلك، يعكف الباحثون منذ نحو 15 عاما على تطوير علاجات جينية لهذا المرض. ويقوم الباحثون بأخذ خلايا جذعية مكونة للدم، ثم يزودونها في المختبر بنسخة سليمة من الجين المصاب بالخلل، مستخدمين في ذلك فيروسا منزوعا، أو ما يعرف بالناقل، أو العبّارة الجينية، ثم يتم زرع الخلايا المصححة لدى المرضى.

ولكن الدراسات التي أجريت حتى الآن أسفرت عن تكوين المصابين بعض أنواع الخلايا المناعية فقط، وبكميات كبيرة.

كما أصيب بعض المرضى في دراسة سابقة بسرطان الدم، وذلك لأن الناقل الجيني آنذاك، نشّط، على الأرجح، جينات سرطانية مجاورة للجين الذي تم تصحيحه.

تصحيح الخلايا عن طريق العلاج الجيني
تصحيح الخلايا عن طريق العلاج الجيني

وقال العلماء الأميركيون إنهم استخدموا فيروس نقص المناعة البشرية (آيتش.آي.في) لتصنيع علاج جديد بالجينات ساعد في شفاء ثمانية أطفال مصابين بنقص المناعة المشترك أو ما يُعرف أيضا بمرض “طفل الفقاعة".

 وجرب الأطباء في ممفيس وسان فرانسيسكو طريقة معدلة مع ثمانية أطفال في المرحلة السنية من 2 إلى 14 شهرا، ولم يجدوا متبرعا مناسبا بالنخاع. ولحماية هؤلاء الأطفال من الإصابة بسرطان الدم، كانت الناقلة الجينية التي استخدموها تحتوي على مواد من شأنها أن تمنع تنشيط أي جينات بجوار الجين “آي.أل2. آر.جي“.

ووفق صحيفة نيويورك تايمز، فإن العلاج يتضمن التخلص من بعض خلايا دم المريض واستخدام فيروس نقص المناعة المكتسب لإدخال الجين المفقود وإعادة الخلايا عبر حقن وريدي. وقبل إعادة الخلايا إلى المرضى، يعطون عقارا لتدمير البعض من نخاعهم لإفساح مجال أكبر للنمو أمام الخلايا المعدلة.

حصل الرضع على جرعات منخفضة من عقار بوسلفان المستخدم في العلاج الكيميائي، حيث أرادوا لهذا العقار السمي للخلية أن يفسح مكانا داخل النخاع، حتى تستطيع الخلايا التي تم إصلاحها الاستقرار داخله.

وكوّن سبعة من الأطفال الثمانية بعد بضعة أشهر قليلة بالفعل أنواعا مختلفة من الخلايا المناعية، بينها الخلايا التائية والبائية والخلايا الفاتكة الطبيعية.

واستطاع الطفل الثامن الحصول على ذلك بعد أن عولج مرة ثانية بهذا العلاج الجيني. وأصبح أربعة أطفال من هؤلاء قادرين على وقف تسرب الأجسام المضادة لدعم مناعة الجسم. وقد تمكن ثلاثة أطفال من تكوين أجسام مضادة بأنفسهم، كرد فعل على تطعيمات أعطيت لهم. أما الخمسة الذين كانوا يعانون قبل العلاج من عدة تلوثات، فقد أصبحوا قادرين على صد الجراثيم المسببة للمرض بأنفسهم. ولم تظهر أعراض جانبية جسيمة خلال فترة المراقبة التي بلغت نحو 16 شهرا في المتوسط. وتطور نمو جميع الأطفال وزاد وزنهم بشكل طبيعي.

وأصبحت الآن لدى هؤلاء الأطفال الذين ولدوا بمناعة ضعيفة أو بلا مناعة، أجهزة مناعية تؤدي وظائفها بالكامل.

17