باحث أميركي يطلب من دول الخليج التروي بخصوص التقارب مع طهران

الثلاثاء 2013/12/24
إغناتيوس: يجب أن يكون رد فعل دول الخليج تجاه إيران بحسب تصرفاتها

أبوظبي- كشف المحلل السياسي الأميركي، ديفيد إغناتيوس، أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين أميركا وإيران ليس ثمرة اجتماعات جنيف بين طهران ومجموعة 5+1، بل هو نتيجة اجتماعات سرية عقدت في مارس –آذار الماضي في الأردن؛ فبينما كانت الأنظار متجهة نحو جنيف حيث مفاوضات إيران مع مجموعة (5+1) كانت المفاوضات الأهم في مكان آخر بعيد عن الأنظار، في عمان.

نصح ديفيد إغناتيوس، الكاتب والمحلل السياسي والاستراتيجي في صحيفة “واشنطن بوست”، دول الخليج العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص، بأن تدرس جيّدا التقارب مع طهران وألا تعقد محادثات معها بشكل متسرع، فالملف النووي الإيراني لا يزال في يد الولايات المتحدة الأميركية.

ويجب أن يكون رد فعل دول الخليج العربية بحسب تصرفات إيران. وعلى هذه الدول أن تضمن أنها لن تتعرض للخطر جراء التهديدات الإيرانية المتواصلة، وأن يكون لدى طهران وعي بقلق جيرانها من برنامجها النووي وتدخلاتها في شؤونهم الداخلية.

وقال إغناتيوس، في مقابلة مع “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية”، إن على الولايات المتحدة الأميركية ودولة الإمارات العربية المتحدة التواصل في ما يتعلق بتغيير سلوك إيران في المنطقة. وأضاف “نعلم أن دول الخليج العربي قد انتابتها حالة من الامتعاض الشديد والصدمة التي جعلت بعض الدول تسعى إلى تحالفات جديدة، ولكن أقول للخليجين إن الولايات المتحدة الأميركية لن تتخلى عن تحالفاتها وأصدقائها في المنطقة إذ تربطها بهم علاقات قديمة ومتينة. كما أن الرئيس أوباما بيّـن في أكثر من مناسبة، وفي مقابلة معي شخصيا، أن واشنطن لن تفرط في تلك العلاقة وأن وجودنا العسكري والأمني سيبقى موجودا”.

ردّا على سؤال؛ ألم يكن الاتفاق النووي مع إيران “صاعقا” بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط التي فوجئت به على حسابها ودون استشارتها؟، أجاب المحلل السياسي الأميركي: في الواقع كان الاتفاق مفاجأة للجميع حتى أن المفاوضات في عُمان كانت كذلك. وكان ينبغي للولايات المتحدة أن تشرك حلفاءها وأصدقاءها بالمشورة لأن هذا الأمر يمس أميركا وغيرها من الدول.

ولكني أقول إن ما قامت به الإمارات من ترحيب، كأول دولة عربية، بهذا الاتفاق يدل على رؤية استراتيجية تتمتع بها الدولة من حيث تقييمها للموقفين السياسي والدبلوماسي في المنطقة والتغيرات التي تحدث تبعا لذلك.

7 مليارات دولار تم رفع الحظر عنها من جملة العقوبات الاقتصادية ضد إيران

ثم تبعتها المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج العربية التي أيدت الاتفاق في انتظار وفاء إيران بتعهداتها. ولكن أقول إن مسألة الاتفاق ليست نهاية المطاف، حيث يبدو ما تم التوصل إليه في جنيف إيجابيا بصفة عامة لأنه يجمّد برنامج إيران النووي ويسمح بتفتيش يومي لمنع أي مخادعة.

نريد أن نخفف من خطر إيران النووي على المنطقة والعالم فهذا الاتفاق صفقة جيدة للجميع لأنه يسعى إلى بلورة حل شامل يعطي إيران فرصة توليد الطاقة النووية السلمية لأغراض مدنية مثل توليد الكهرباء ويمنع التخصيب الذي قد يفضي إلى صنع سلاح نووي.


تبعات برنامج نووي إيران


بيّن ديفيد إغناتيوس أن لدى إيران قدرات عسكرية كبيرة قائلا: نحن نعلم أن مَنْ يريد توليد الطاقة الكهربائية من مصادر نووية لا يحتاج إلى مفاعلات نووية مخفية في أماكن جبلية أو تحت الأرض أو في تحصينات لا يمكن الوصول إليها مثل مفاعلات “أراك” و”قم” و”فوردو” كما لا تحتاج تلك المفاعلات إلى الماء الثقيل الذي لا يستخدم إلا لصنع القنبلة النووية. لذلك كان الاتفاق من أجل احتواء القدرات النووية الإيرانية والتعامل معها لحماية المنطقة والعالم من ويلات هذا السلاح.

ديفيد إغناتيوس:
"أنصح دول الخليج العربية بأن تتأنى في التقارب مع طهران وألا تعقد محادثات معها بشكل متسرع، فالملف النووي الإيراني لا يزال في يد الولايات المتحدة الأميركية".

فلدى إيران أكثر من 19 ألف جهاز طرد مركزي وهذا دليل على نياتها الحصول على سلاح نووي. لعبت العقوبات دورا في تغير السلوك الإيراني، حيث أثرت العقوبات الاقتصادية بشكل كبير في طريقة تفكير القيادة الإيرانية. فعلى الرغم من أن تلك العقوبات لم ترغم الإيرانيين مباشرة على الجلوس إلى طاولة الحوار خوفا من الانهيار الاقتصادي للدولة، فإن تلك العقوبات أسهمت بشكل كبير في تغيير موازين القوى السياسية في الداخل الإيراني منذ عام 2009، حيث مهدت الطريق لانتخاب حسن روحاني في عام 2013 مما دفع بالتفاوض مع الدول الكبرى حول ملف إيران النووي إلى الأمام.

ونظرا إلى أن روحاني يختلف عن الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، الذي كان يجاهر ببرنامج إيران النووي، وحق إيران في امتلاك سلاح نووي للردع، كان رد الإدارة الأميركية واضحا بأن تقديم أي شكل من أشكال الدعم لحكومة روحاني سيؤدي حتما إلى إقناع الشعب الإيراني بأنه حان الوقت للتغيير. فاستمرار العقوبات من دون تخفيفها أو تقديم أي حافز لطهران سيؤدي إلى تقويض أداء حكومة روحاني الحالية وضعف ثقة الشعب به لذلك كان رفع الحظر عن مبلغ 7 مليارات دولار بمنزلة مساعدة لروحاني، أما لو استمرت العقوبات دونما رفع للحد الأدنى من العقوبات فإن ذلك سيساعد على زيادة عدم الثقة بين واشنطن وطهران وسيقوي من شوكة المتشددين الإيرانيين.


التزام إيران


ما الإجراءات التي ستتبعها الولايات المتحدة والدول الكبرى في حال لم تفِ إيران بالتزاماتها وفق اتفاق جنيف؟، عن هذا السؤال أجاب إغناتيوس قائلا: أستشهد هنا بما تحدث به الرئيس الأميركي باراك أوباما، أمام المنتدى السنوي لـ”مركز سابان للسياسة في الشرق الأوسط” في “معهد بروكينعز″ في واشنطن، حين قال إن أفضل حل لقضية النووي الإيراني هو ما تم التوصل إليه، حيث أن اتفاق جنيف بين إيران ومجموعة (5+1) كان “أفضل المتاح. ففرص نجاح المفاوضات مع إيران تشكل 50 بالمئة، وفي حال عدم التزام إيران بالاتفاق المرحلي فإنه سيتم تمديد الاتفاق لستة أشهر أخرى شرط أن يكون قد تمّ التوصل إلى تقدم ولو كان بسيطا في تنفيذ الاتفاق خلال الستة أشهر الأولى.

وفي حال التمديد ستة أشهر من حدوث تقدم والتزام من الجانب الإيراني سيتم تشديد العقوبات الاقتصادية، حيث إن خسائر إيران المتوقعة في حال استمرار العقوبات عليها في عام 2014 ستصل إلى أكثر من 100 مليار دولار، وهذا أمر سيدمّر الاقتصاد الإيراني لعقود قادمة ما يعني أن إيران لا بد لها من أن تلتزم بالاتفاق النووي المبرم لتتجنب أي ردود غير مناسبة من قبل الدول الكبرى. في الواقع: إن لكل دولة الحق في امتلاك برنامج نووي سلمي لغايات توليد الطاقة الكهربائية.

وهذا الأمر ينطبق على إيران. والرئيس أوباما يعتبر أن صفقة إيران النووية مكسب توج سنوات من المحاولات الجادة لحلحلة هذه المعضلة مع طهران. فهو أحد أنواع الدبلوماسية السرية التي كان يؤيدها هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأسبق، حيث عقدت اجتماعات سرية في مارس –آذار الماضي في عمان وأوفد حينها الرئيس أوباما مبعوثين هما: ويليام بيرنز، نائب وزير الخارجية، وجيك سوليفان، مستشار نائب الرئيس جو بايدن للأمن القومي.

100 مليار دولار خسائر إيران المتوقعة في حال استمرار العقوبات عليها في عام 2014

لقد كانت تلك العملية بمنزلة خدعة للأنظار أو خداع بصري، فبينما كانت الأنظار متجهة نحو جنيف حيث مفاوضات إيران مع مجموعة (5+1) فإن المفاوضات الأهم كانت في مكان آخر بعيد عن الأنظار في عمان. وبعدما تم الاتفاق قُدم جاهزا لوزراء خارجية روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في جنيف قبل أسبوعين كأمر واقع تقريبا.

لا ينفي المحلل الأميركي فرضية فشل الاتفاق النووي، مستذكرا في هذا السياق عبارة قالها كيسنجر عام 2006: “إن على إيران أن تقرر إذا ما كانت تريد أن تكون أمة أم قضية”، وهذا معناه واضح أن الطريق للخروج من أزمة إيران والورطة التي أوقعها فيها مسؤولوها السابقون هي في الهروب إلى الإمام نحو مفاوضات لنزع السلاح النووي مع عدم السماح لطهران بإمساك العصا من المنتصف لأن ذلك سيسبب زعزعة المنطقة.

7