باحث بلجيكي يكشف آليات تشكّل الخلايا المتطرفة في أوروبا

معترفا بكل ما قد يحدث للمهاجرين من اعتداءات وتمييز وإقصاء، يقوم الصحفي والباحث السوسيولوجي البلجيكي جون بول مارتوز، بالإفصاح عن خفايا المجموعات الصغيرة التي تتشكل داخل المجتمعات الغربية والتي تغذي الشعور بالتعصب والتطرف ضد الأجانب والمختلفين بشكل عام. الأفارقة واليهود واللاتينيون والعرب وغيرهم من الشعوب التي تعيش في أوروبا، هم هدف لتلك المجموعات المتعصبة، وقد أبرز مارتوز ذلك في بحثه حول “تغطية الهجرات”.
الخميس 2015/08/13
مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين لحظة وصولهم إلى السواحل الإيطالية وقد تم إنقاذهم من الغرق

ينطلق جون بول مارتوز من الإطار النظري الذي وضعه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في سبعينات القرن الماضي والذي يحدد وجود “الجماعات الصغرى” داخل المجتمعات والتي “تنبت” خارج الأطر الحزبية أو الجمعياتية والتي لها منطلقات وأهداف استثنائية وخاصة.

وقد أشار بورديو إلى هذه المجموعات في سياق ثورة “مايو 1968” في فرنسا، والتي سميت آنذاك بثورة القيم، وقد عرفت تلك الثورة بأنها أفرزت جماعات ونظما وقيما جديدة في المجتمع الأوروبي من بينها الفوضويون والشيوعيون الشباب والمثليون، ولهم وسائل إعلام خاصة بهم، من بينها تلك المخطوطات السريعة التي على شكل نشريات وصحف، وقد ساهمت تلك الأقليات في خلق زخم عارم أدى إلى إسقاط الجمهورية الرابعة وإنهاء الأيديولوجية “الديغولية” (نسبة إلى شارل دو غول) التي اتسمت بالمحافظة.

وقد بذل الباحث مارتوز جهدا في تنزيل البحث الذي قام به بورديو في تلك الفترة وتكييفه مع الواقع المعيش في أوروبا اليوم، حتى يتمكن من اكتشاف قوانين تشكل الجماعات الصغرى المتطرفة في أوروبا، والتي عرفت خاصة في المدة الأخيرة بتحيزها ضد الأجانب والمهاجرين ومطلقة شحنات مكثفة من الشعارات التي أجمع الكل على أنها عنصرية بامتياز، وقد وضع مارتوز نصب أعين قارئ كتابه “تغطية الهجرات” ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع إذا تمكنت تلك الجماعات أو الخلايا المتطرفة من اكتساح الشارع وتعميم موقفها على الرأي العام بأساليب أكثر تطورا وحداثة من تلك التي كانت في الستينات، خاصة عبر القنوات الافتراضية، “فلئن كانت الجماعات الصغرى في فرنسا في منتصف القرن الماضي قد نشطت للوصول إلى تحول أكثر إيجابية وديمقراطية، فإن الجماعات المتطرفة التي تعادي المهاجرين اليوم سوف تعيد أوروبا إلى الحقبة النازية دون شك”، حسب قول مارتوز.

من خلال هذه المقاربة، يقترب الباحث والصحفي البلجيكي من حصر سلوك الجماعات الصغرى المتطرفة التي نشأت في الآونة الأخيرة، ويحاول الاقتراب منها لمعرفة مبادئها وأسلوب عملها وأهدافها. ويؤكد مارتوز أن أسباب تأجيج شعور التطرف في بعض الفئات الألمانية والذي أدى إلى نشوء حركة “أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب” أو ما تعرف اختصارا بـ”بيغدا” مثلا، يعود أساسا إلى ثنائية تكاثر عدد المهاجرين في أوروبا الذي توازى مع الأزمة الاقتصادية العارمة التي تعصف بالعالم الغربي أساسا.

الجماعات المتطرفة تنبت خارج الأطر الحزبية المعلنة نظرا لتناقضها مع القوانين النافذة

ومن خلال التصنيفات التي وضعها الباحث لتلك الفئة الصغيرة المتطرفة، فإن الأعضاء المنتمين إلى “بيغدا” هم أساسا من الحرفيين والتجار والموظفين في القطاع العام. وهم فئة يقول عنها مارتوز إنها من البرجوازية الصغرى، أي تلك التي تعيش إما على رأس مال فردي لحياة عائلة عادية أو رأس مال معرفي مكن هؤلاء من الدخول إلى الوظيفة العمومية. ومع الأزمة الاقتصادية، فإن القطاعات التي يعمل فيها هؤلاء هي القطاعات الأكثر تضررا، خاصة فئة التجار الذين تحسسوا باكرا الأزمة بارتفاع أسعار المواد الأولية ونفقات التسويق في ظل تعاظم الشركات الكبرى، وكذلك منافسة من هم من أصول مهاجرة على الوظائف العمومية والخاصة مع أبناء البلد الأصليين بحكم قانون الجنسية.

طبعا هذه المقاربة الجزئية التي ترتكز إلى تحليل طبقي للمجتمع ومن خلالها تبلور تلك الطبقة موقفها من الآخر أو المهاجر في بلدها، تتجاور مع مقاربة أخرى وهي المقاربة الإعلامية. إذ يؤكد الصحفي البلجيكي مارتوز أن وسائل الاتصال الحديثة مكنت جماعة “بيغدا” من تغذية الناس بأفكار مليئة بالمغالطات والتمويه، وهي عبارة عن تراكيب لغوية ورسائل تدمج الأزمة التي تمر بها أوروبا بتدفق المهاجرين (خاصة غير الشرعيين) إلى البلاد، بطريقة تحيل مستهلك المعلومة إلى تحميل المسؤولية إلى أولئك المهاجرين وتبدأ بذلك سلسلة الاعتداءات.

وتعتبر التظاهرات والتجمعات العامة التي تعاظمت في وقت ما، التصعيد الأعلى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الجماعات في ظروف ألمانيا الحالية، وقد ساعدت على ذلك التقنيات الإعلامية الحديثة والخارجة عن سيطرة “حارس البوابة”، وهي هيئات التحرير الكلاسيكية التي نعرفها في وسائل الإعلام. فقد مكنت الفضاءات الافتراضية للتواصل من الهروب من رقابة القانون وأبجديات الإعلام المسؤول لتمكن أعضاء تلك الجماعات من التواصل في ما بينهم، تماما كما حدث للشباب الفرنسي في الستينات عندما استحدث المناشير الخاصة به للإخبار عن الجديد في ثورته (فقط التشابه من حيث الأسلوب وقوانين الحركة، لكن الأسس والأهداف متناقضة).

ويؤكد الباحث مارتوز أن الخلايا المتطرفة والرافضة للأجانب ليست خلايا معلنة أو مؤطرة بوضوح من قبل جماعات أو أحزاب معترف بها، فهي تتناقض مع المنظومة القانونية والسياسية العامة النافذة في أوروبا، الأمر الذي جعل من أعضاء تلك الخلايا يحاولون التغلغل داخل الأحزاب والجمعيات اليمينية والقومية، وهي المناخ المناسب الذي يمكن أن تعيش فيه تلك الأفكار المتطرفة.

13