باحث فضائي يواجه عزلته المستقبلية في"سماء منتصف الليل"

جورج كلوني يخوض مغامرة سينما الخيال العلمي في خامس تجاربه الإخراجية.
الاثنين 2020/12/28

تبدو فكرة المستقبل وفرضية العيش على كواكب أخرى مغرية لعدد من المخرجين السينمائيين منذ عقود، حتى أنّهم يتنافسون على تصوّر سيناريوهات للحياة وصعوباتها في المستقبل البعيد وما يمكن أن تحمله من مفاجآت للإنسانية، فتضعها أمام نهايتها المحتومة التي ستلقاها وإن هربت من الأرض نحو الفضاء الرحب.

مع الأيام الأخيرة المتبقية من العام يطل علينا المخرج والممثل جورج كلوني بفيلم خيال علمي، بميزانية فاقت 100 مليون دولار، ويعتبر فيلما يجمع بين المغامرة والقضايا الإنسانية والسرد المطوّل في محاولة من كلوني لإيجاد أسلوب خاص يميز عمله السينمائي الجديد.

تجربة إخراجية مختلفة

منذ المشاهد الأولى، يتعرف المتفرّج على أوغستين ( كلوني) الرجل المثقل بمرض الكلى بكل ما يعنيه من وهن، كثّ اللحية ومنزو عن الناس وإن هو إلا ذلك العالِم الفلكي الذي تنقلنا إلى حقيقة تاريخه مشاهد العودة إلى الماضي رغم أنها لا تبدو متصلة اتصالا وثيقا مع الصورة الحالية والواقع الذي يعيشه أوغستين.

ماضيه المختصر لا يتعدى كونه باحثا لامعا في قضايا الفلك والفضاء ومتحمسا لاكتشاف كواكب أخرى لم يصل إليها البشر وربما يكونون في حاجة للسكن فيها في يوم من الأيام عندما لا تصبح الأرض صالحة للسكنى لأي سبب كان.

"سماء منتصف الليل" فيلم عن دستوبيا أرضية ومغامرة فضائية وعجز إنساني

ها نحن في العام 2049 وما توقّعه العالم أوغستين قد وقع فقد ضربت الأرض كارثة جعلت العيش فيها مستحيلا ولكن من دون تفاصيل كافية حتى لنتوقع أن أوغستين هو الرجل الوحيد الباقي على قيد الحياة مختبئا في مرصده العلمي في القطب الجنوبي.

ومنذ المشاهد الأولى يتضح أن الإيقاع الفيلمي بأكمله سيرتبط بالشخصية الرئيسية، وهو الذي يشاهد يائسا خراب الأرض وانقطاع الاتصال بالمركبة الفضائية التي ذهبت إلى المشتري لاستطلاع إمكانية العيش في أحد أقماره الصالحة للبشر.

عزلة أوغستين لا يقطعها سوى رتابة أيامه وقيامه بعملية غسل الكلى لنفسه، ثم ظهور الفتاة التي أحبها في خياله وقد يئست من أن يكرس نفسه لأسرته أو يوليها ما تستحق من أهمية بقدر تكريس نفسه لأبحاثه الفضائية وخسارة ابنته الصغيرة وتخليه عنها حتى لم يبق عالقا في مخيلته سوى اسمها إيريس.

يقدم المخرج كلوني فيلمه الخامس على صعيد الإخراج، إذ بدأ مغامرته الإخراجية منذ العام 2002 والتي غلبت عليها سمات الواقعية والسياسة والتاريخ، لكنه اختار في “سماء منتصف الليل” أن يقدم دستوبيا أرضية ومغامرة فضائية وعجزا إنسانيا وهي في الواقع المحاور الثلاثة التي بني عليها السرد الفيلمي، فالأرض المسمومة التي هلك فيها البشر ولم يعد يستطيع إنسان العيش فيها تقابلها أرض أحلام ظلت تتكرر في أفلام الخيال العلمي في الرغبة للرحيل عن الأرض المدمرة، فما الجديد الذي قدمه كلوني في فيلمه هذا عن المئات من أفلام الخيال العلمي التي أغرقت في عرض هاتين الثيمتين ومقاربتهما دراميا؟

فكرة مستهلكة

صورة

قدم جورج كلوني كل شيء من وجهة ذلك العالِم شبه المحطّم الذي لم تسعفه الفرصة لتحقيق حلمه بالسفر إلى كوكب آخر فآثر العزلة، ولم يستطع تكوين أسرة وتهرّب من مسؤوليته تجاه حبيبته وها هو يعيش هلوسات استقبال ابنته الصغيرة إيريس في منفاه الثلجي المعزول ليخوض معها المغامرة الكاملة.

لكننا ومع الإيقاع المتراخي والأحداث التي لا تكاد تحرّكها حبكات ثانوية رصينة ما نلبث أن نعيش يوميات فريق رواد الفضاء الذين علقوا قرب المشتري وصور مركبتهم وهي تسبح في الفضاء ويومياتهم ثم قصف النيازك للمركبة التي يستقلونها وصولا إلى أول اتصال بين المركبة الفضائية وبين قاعدة الأبحاث في القطب
حيث يأس أوغستين من إسماع صوته لأحد.

واقعيا كانت تلك النهاية والمفارقة الحزينة التي أراد كلوني زرعها في مخيلتنا، أن من تتصل به من المركبة الفضائية هي إيريس (الممثلة كارولين سبرنغال) وهي ابنته ويتأكد من ذلك بواسطة الاسم وأن أمّها هي التي غرست فيها حب اكتشاف الفضاء وأن تكون رائدة فضاء، ويكتشف أن إيريس هي تلك الطفلة التي فرط بها ليتحقق من وجودها وهو كهل يواجه عزلته خارج الأرض.

صورة

أستطيع أن أطلق عليها مكملات لذلك البناء الدرامي، وبدت مكمّلات متشعّبة ومشتتة للانتباه تلك التي بثّها المخرج وكاتب السيناريو مارك سميث، الذي يحتل هذا الفيلم التسلسل التاسع في مسيرته، والمأخوذ عن رواية للكاتبة ليلي دالتون، من المكمّلات مثلا تلك المغامرة القاسية التي خاضها أوغستين مع الفتاة في وسط العواصف الثلجية ومنها أيضا الاسترخاء التام لفريق رواد الفضاء المعزول عن قاعدته الأرضية وعن أي أحد وهم يغنون غناء جماعيا فيما النيازك تقصف من حولهم وتصيب مركبتهم.

في المقابل كان هنالك غنى بصري كامل في “سماء منتصف الليل” من ناحية استخدام التقنيات وانسيابية حركة رواد الفضاء وسباحتهم في المجال الرحب في مرحلة انعدام الوزن وتسلقهم بسهولة من مكان إلى آخر، فضلا عن القوقعة المكانية التي كان يعيش فيها أوغستين بالأجهزة والمعدات الإلكترونية التي نقلتنا إلى المستقبل.

وأما على صعيد البناء البصري فقد كانت هنالك حصيلة ملفتة للنظر تفوق فيها مدير التصوير مارتن رو وفريق الإدارة الفنية والمونتاج في تقديم صورة مستقبلية غزيرة متنوعة، فضلا عن البيئة المتجمدة ورحلة أوغستين عبر تلك العواصف بصحبة الطفلة إيريس فضلا عن المشاهد المؤثرة لانهيار الجليد من تحتهما وضياعهما في العاصفة في سلسلة لقطات ساد فيها البياض سوى بقعة سوداء تائهة وسط الريح لأوغستين الذي بقي تائها في هذا الفيلم.

16