باحث ليبي: الفقه المذهبي يتلاشى

عبدالرحمن هابيل يشدد على أن الفقه المذهبي في طريقه إلى الزوال، والخطورة تكمن في محاولات إحلال النصوص الفردية والفتاوى التلفيقية محله.
الخميس 2019/03/14
تحول جذري طرأ على التفكير الإسلامي

يرى الباحث الليبي عبدالرحمن هابيل أنّ مذاهب الفقه التقليدية نجحت في الماضي في مواجهة الإشكالية الكبرى بمناهج محددة للتعامل مع ظنيّة النصوص الفردية ولمحاولة إكسابها القطعية. لكن، في العصر الحديث أخذ الفقه المذهبي يتلاشى تدريجيا، نظرا إلى أسباب تعود في معظمها إلى الانقلابات المختلفة التي عصفت بشتى مناحي الفكر والحياة، والتي لم يكن ممكنا للفقه المذهبي أن يتصدى لها، وهو فقه قياسي قوامه النصوص الفردية والقياس الجزئي عليها حالة بحالة.

وقال هابيل في كتابه “موافقات الأحكام والحكمة”، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، إنّ تحولا جذريا قد طرأ على التفكير الإسلامي نتيجة حلول فقه النصوص الفردية محلّ الفقه المذهبي. وبينما لا يمكن التهوين من شأن الأزمات السياسية والاجتماعية الحالية، فإنّ الانقلاب الذي أصاب منهجية قراءة النصوص أصبح أزمة فكرية كبرى لا تقلّ جسامة عن الأزمات السياسية والاجتماعية.

التماس منهجية تجديدية لقراءة النصوص الفردية
التماس منهجية تجديدية لقراءة النصوص الفردية

ويشدد على أن الفقه المذهبي في طريقه إلى الزوال، والخطورة تكمن في محاولات إحلال النصوص الفردية والفتاوى التلفيقية محله. إنّ النصوص الفردية مصادر “أولية” لم تقم بدورها الذي قامت به في السابق إلا لأنها كانت مدعومة من مصادر “تكميلية” ومناهج وضوابط خاصة بكلّ مذهب؛ فهذه الضوابط هي التي مكّنت الفقه من استيعاب النصوص الفردية، على الرغم من ظنيتها بفضل تغليب المعايير القطعية على ظواهر النصوص الفردية. أمّا والفقه المذهبي يغيب تدريجياً، فلم يعد ممكناً التعويل على النصوص الفردية.

إن الزوال التدريجي للفقه المذهبي لا يترك خيارا سوى التماس منهجية تجديدية لقراءة النصوص الفردية، بحيث لا تُقرأ هذه النصوص إلا في ضوء أصول قطعية. ومثل هذه المنهجية لا بد من أن ترتكز على الأسس التقليدية الكبرى نفسها بعد إعادة قراءتها. ولعلّ ثنائية “العبادات والمعاملات” لا تزال صالحة كإحدى نقاط الانطلاق الأساسية في أيّة منهجية تجديدية.

كما أنّ هناك ثنائية كبرى أخرى مقابلة لهذه الثنائية هي ثنائية “الإجماع″ و”المقاصد”، بحيث تُقرأ أحكام العبادات في ضوء “الإجماع″، و”المعاملات” (أي ما عدا العبادات) في ضوء “المقاصد”.

ولكن الإجماع هنا ليس بمعنى إجماع العلماء الاجتهادي الجزئي؛ بل بمعنى الإجماع “المتواتر”؛ أي النقل المتواتر لما هو داخل بالضرورة في علم الخاصة والعامة، وأجمعت عليه المذاهب الثمانية. وكذلك “المقاصد” ليست بمعنى المبادئ الفلسفية أو التعميمات المرسلة بل بمعنى المقاصد “المنضبطة”، المستقرأة من النصوص المتضافرة والعلل المطردة.

وخلص هابيل إلى إنّ المقاصد “المنضبطة” ليست إحلالا للأدلة العقلية محلّ النصوص الشرعية؛ لأنّ المقاصد غير واردة في العبادات، فدورها لا يأتي إلا بعد الإجماع “المتواتر”، كما أنّ الاجتهاد المقاصدي “المنضبط” لا يمكن أن يكون استحسانا فرديا؛ بل إنّ له ضوابطه المحكمة التي تعصمه من مخالفة أساسيات الشريعة، لأنه لا يقوم إلا على استقراء النصوص والعلل الشرعية نفسها ما دامت متضافرة على معان مطردة. فالأدلة العقلية، إذا استُعملت في المقاصد، “فإنما تستعمل مركّبة على الأدلة السمعية”، وفق قول الشاطبي.

وأضاف أنّ “نظرية مقاصد الشريعة ستظل ترفا فكريا نتغنّى به بين صفحات الكتب، وندعي به عمقا فكريا لا نملكه ما دمنا لم نخطُ بالمقاصد الخطوة الكبرى التي تجعلها فعلا ‘القواعد العامة’ للشريعة التي تُستقرَأ من النصوص المتضافرة والعلل المطردة. لقد آن لنا أن نواجه بشجاعة السؤال الذي ظلّ دون جواب طوال سبعة قرون بعد الشاطبي، فلم يعد ممكنا مجرّد التباهي بنظرية المقاصد دون أن نعترف لها بالبعد العملي الذي يجعلها ‘مقاصد تطبيقية’.

13