باحث مغربي: القرآن هو الحامل المقدس لقيمة التسامح

المفاهيم الكونية في الإسلام ثابتة على مر القرون التي مرت منذ ظهوره، بل إن الطاقة العظيمة التي تختزنها الرسالة المحمدية في أن يكون الإسلام دينا عالميا وسلس الانتشار والتعايش مع كل ألوان الثقافات والشعوب، تعد سر قوة الإسلام الجوهرية. الأمر الذي يتناقض مع ما تصوره الآلة الإعلامية لبعض الأطراف في الغرب، على أن الإسلام هو “تاريخ من العنف”. ولعل هذه الاشكالية “بيننا وبينهم” هي التي دفعت الباحث المغربي إبراهيم مشروح إلى سبر أغوار مفاهيم التسامح في الإسلام عبر طرحه لسؤال “أي معيار للوسطية؟”.
الخميس 2015/06/18
للإسلام رسالة كونية تستند إلى الدعوة للسلم والانفتاح لا للعنف والإقصاء

ينطلق إبراهيم مشروح من تأصيل مفهوم التسامح داخل إطارين متكاملين، يتضح أنهما يشكلان طرفي الجزء والكل في بحثه. فالإطار الأول هو القرآن، الفضاء النصي المقدس الذي احتوى قيمة التسامح في آيات عديدة داخله. أما الفضاء الثاني فهو الكون والعالم، الذي يمثل الكلّ الثقافي والأنثروبولوجي، أين ستدور “معارك التسامح” حسب قوله.

فالقرآن بذلك هو الحامل المقدس لقيمة التسامح، والعالم هو الحامل الحسي لهذه القيمة، ومن خلال ذلك يستنتج أن الإسلام “طاقة محركة للقيم النبيلة بين الناس″، رغم قانون الاختلاف والتعدد في الأديان والأعراق والثقافات الذي يحكم طبيعة الشعوب. ولعل هذه المقاربة تمثل التأصيل الفلسفي لماهية إنسانية الدين الإسلامي وعالميته وقدرته على شمولية القيم الكونية.

تحملنا مقاربة مشروح إلى الورشة التي فتحها بعض العلماء والقادة الدينيين في الوطن العربي خاصة، وفي أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي بشكل عام، وهي “نقد الفكر الديني والدعوة إلى تجديد الخطاب”. ولعل راهنية هذه الورشة تكمن في ظهور “غول الظلام”، حسب تعبير المفكر جورج طرابيشي، هذا الغول الذي برز من بين طيات التراث الإسلامي فجأة منذ القرن الماضي ليشكل قوة جامحة وعاطفية ذات اتجاه خلفي، وتتناقض في قوانينها وأدبياتها مع قانون الزمن وروح العصر: إنها حركات الإسلام السياسي، “العدو الأول للكونية الإسلامية التي ننشدها اليوم”، كما أكد ذلك إبراهيم مشروح.

“وكذلك جعلناكم أمة وسطا”، بهذه الآية بدأ الباحث في طرح تساؤلات حول كيفية إجابة الاتجاهات المتطرفة على هذا القول الإلهي؟ ومن البديهي أن تنفي أدبيات التطرف أن يكون معنى “الوسطية” في هذا السياق هو معنى جغرافي، “بل إن الجزم هنا يكمن في أن الأمة التي يخاطبها الله هي أمة المسلمين وهي أمة وسطية ومعتدلة ومنفتحة”. ويظهر بذلك المنهج الذي اعتمده مشروح في طرح مفهوم التسامح في الإسلام على أنه تفاعل بين الأمر الإلهي المبلور في نص قرآني “بجعلنا وسطيين وغير متطرفين”، وبين المجال العالمي الحسي الذي يمثل مسرح إخراج القيم الكونية.

القرآن هو الحامل المقدس لقيمة التسامح، والعالم هو الحامل الحسي لها وهو طاقة محركة للقيم النبيلة بين الناس

لقد أصل إبراهيم مشروح في عدة مواضع من بحثه مفهوم التسامح والوسطية انطلاقا من النص الديني الإسلامي ذاته، وبين أن النص “كان صريحا في نبذ الغلو والتطرف”. غير أن أفقا آخر فتحه الباحث ليتمكن من بسط الموضوع بشكل شامل، فاستلهم من فلسفة ابن رشد الفقيه الأندلسي المسلم الذي أسس لمعقولية دينية راسخة تقوم على إعلاء سلطة العقل والتدبر والحق في التأويل.

لذلك، فإن الانطلاق من تعريف أرسطو للوسطية وهي “الحد الوسط أو الحد الذهبي” يعد انطلاقا متناغما مع طبيعة الموضوع، فابن رشد يعد الشارح الأكبر لفلسفة أرسطو على الإطلاق. ومن خلال هذا التعريف، أقر الباحث المغربي أن الفعل الإنساني، لكي يكون وسطيا، عليه أن يكون “مشروعا ومعقولا ومقبولا”، ولا يعتقد منطقيا أن يكون الذبح والعنف والاعتداء على حرية الآخر في تفكيره ومعتقده وفرض ضريبة عليه لأنه مختلف يعد فعلا مشروعا أو مقبولا أو معقولا.

لم يترك مشروح مسألة الوسطية والاعتدال في الإسلام مفتوحة دون ضبط لحدود تميزها، بل إن شروطا يجب توفرها لفرض هذه القيمة “الشرعية”. ويؤكد الباحث أن الحكمة في وزن الأمور والعقل في التدبر فيها والحكم عليها “تعد الأسس الرئيسية لإرساء نظام عادل”، لا يوجد فيه غلو وتطرف أو انحلال وتساهل مع ما قد يضر الإنسان. وقد استند في ذلك إلى الفلسفة التي أنتجها فقهاء العرب كابن سيناء وأبونصر الفارابي وابن رشد ذاته. فقد قسم هؤلاء الفلاسفة العرب مسألة الحكمة إلى قسمين متكاملين وهما القسم النظري في الحكمة، أي في استنباط الأحكام والنظر فيها والنقاش حولها، والحكمة العملية التي تعد تنزيلا لتلك الرؤى والنظريات على أرض الواقع للحكم بين الناس.

النص الديني الإسلامي هو نص «مفتوح» ولا توجد فيه قواعد حدية ومتطرفة في ما يخص عيش البشر بعضهم مع بعض

“إن أمر التسامح والوسطية في الإسلام لن يكون له معنى سوى عند المواجهة مع الأخلاق والسياسة”، بهذا القول، أدرك إبراهيم مشروح المجال العملي للقيم الكونية للإسلام، إذ لا يعقل أن يكون دين بهذه الضخامة التاريخية والروحية ألا يكون له دور في تصريف شؤون الناس والحكم بينهم بالعدل وإرساء روح التسامح بين طوائف الشعب الواحد والأمة الواحدة، بل وبين الناس جميعا في العالم.

وهنا يمكن الوصول إلى إثبات أن النص الديني الإسلامي هو نص “مفتوح” ولا توجد فيه قواعد حدية ومتطرفة، في ما يخص عيش البشر بعضهم مع بعض، فالتطرف في هذا السياق مناقض لجوهر العقيدة الإسلامية التي تأمر “بالوسطية” أي بقبول الآخر كما هو واعتباره جزءا من الشخصية التي نحن عليها، وهذا ما نسميه “المبادئ الكونية في الإسلام”، وبها يكون الإسلام دينا عالميا بامتياز.
13