باحث مغربي يدخل منطقتي الضوء والعتمة في سيرة بطل ملحمي

الثلاثاء 2014/11/04
تناسل السرد وتفرعه في سيرة سيف بن ذي يزن يبتكرهما المتخيل الشعبي

عن “دار فضاءات للنشر والتوزيع”، بالعاصمة الأردنية عمّان، صدر كتاب للباحث المغربي محمد فخرالدين بعنوان “البنية السردية والمتخيل في سيرة سيف بن ذي يزن”، وهو بحث أكاديمي يتألف من ثلاثة فصول، أفرد الفصل الأول منه لتعريف السيرة الشعبية، وحلل في الفصلين الثاني والثالث البنية السردية وبنية المتخيل في سيرة سيف بن ذي يزن.

حاول المؤلف في الفصل الأول إلقاء الضوء على السيرة الشعبية من خلال تجنيسها وتموضعها بين الأجناس الأخرى، منطلقا من نظرية محددة للجنس الأدبي والصيغ السردية، ومعتمدا منهج المقارنة بين السيرة الشعبية وبين أجناس أخرى ليتوصل في الأخير إلى أنّ السيرة هي نص تجميعي لمجموعة من الأجناس يعبر عن ثقافة اجتماعية مهددة، لكنها تتميز بانسجام عناصرها، بالرغم من اختلاف مكوناتها وطولها.


سيرة ضخمة


سيف بن ذي يزن ملك يمني حميري عاش في الفترة بين 516 - 574م، اشتهر بطرد الأحباش من اليمن، و تولى الملك فيه، نسبه الكلبي فقال: سيف بن ذي يزن بن عافر بن أسلم بن زيد، من أذواء حمير.

دخل سيف بن ذي يزن القصص الشعبية، فسيرته مشهورة، وهي من أضخم السير العربية، وفيها اختلط الخيال بالوقائع التاريخية، وجمح، فأصبح سيف بن ذي يزن ابنا لأم من الجن، وصاحب سيادة فيهم. وغير ذلك من أفانين الخيال.

المتخيل في السيرة يقوم على الصراع بين المضيء والمعتم

و في السيرة إشارات قومية واضحة، كما أن الخيال يجمح بها فيجعل من سيف بن ذي يزن ملكا متوجا على الإنس و الجن. و تشير السيرة إلى اختفاء سيف في آخر أيامه لاحقا بأمه في عالمها.

امتدت تأثيرات هذه السيرة على امتداد العالم الإسلامي، فدخلت مثلا الأدب الماليزي على أنها سيرة الملك يوسف ذي الليزان، وأثرت في الأدب القصصي في تلك البلاد مع السير العربية الأخرى. تقع السيرة في تسعة عشر مجلدا، وهي واحدة من أطول السير العربية.


المكون السردي


وقد درس محمد فخرالدين في الفصل الثاني المكوّن السردي في سيرة الملك سيف بن ذي يزن بوصفها محكيا يتكون من وحدات سردية تنظمها علاقات وعمليات تشكل البنية السردية كانتظام لملفوظات السيرة، واختار لذلك مقاربة سيميائية سردية اعتقادا منه بقدرة هذه المقاربة على الإحاطة بالسردية في السيرة، فقام بتحديد ملفوظات الحالة، وملفوظات الفعل، وطبيعة البرامج السردية، والعلاقات التي تربط فيما بينها.

وحدّد مراحل التأهيل والإنجاز والتمجيد دون أن يغفل مرحلة التوجيه، وذلك بهدف رسم الخطاطة السردية القاعدية لنص السيرة. وانتهى إلى خلاصات حول البنية السردية في هذه السيرة وطريقة اشتغال النص السيري من حيث تناسل السرد وتفرعه، والطمأنينة السردية، وتنويع الترسيمة السردية، والغرام بذكر أسباب حدوث الحكايات في السيرة عن طريق الاسترجاع.

ونظر المؤلف في الفصل الثالث إلى السيرة كمخزن للصور التي ترتبط فيما بينها ويستقطب بعضها البعض، وتتجمع حول محاور أو نماذج أصلية تميز بثباتها وقابليتها للتعميم، وهذه النماذج تلتقي بدورها في خطاطات تكوّن بدورها بنية دينامية وتعبّر عن نظام للمتخيل.


الضوء والعتمة


وانطلق الباحث محمد فخرالدين من تقسيم نظام المتخيل، حسب تقسيم ج. ديران، إلى نظامين للصور: الأول، نظام مضيء تنتشر فيه نماذج: الضوء والنور والنظام والعلم واليقين والإيمان واللون الأبيض واللون الأخضر والجبل والبستان والقصر والجنة. وتمثله صور: السيف والسلاح والجناح والطائر والأولياء والأنبياء والأشجار، أي كل الرموز والصور التي تمثل خطاطة التصاعد.

والثاني نظام معتم، ويضمّ جميع الصور والرموز والنماذج التي تجسد خطاطة الابتلاع، أي كل الصور والرموز المثمنة سلبا، ويضمّ جميع الأشكال الحيوانية التي تتخذ طابع الافتراس والابتلاع.

كما يضمّ صورا ورموزا للأنوثة الشريرة: الأم الشريرة التي تعترض المصير الملحمي للبطل، والمرأة الساحرة، والمرأة العملاقة والعجائز.. وصور الكائنات التي تبتلع (غيلان - كلبيون)، وصورة الأرض الغواصة التي تمتص، وصورة الثعبان والبئر التي يسكنها الجن والشياطين.
محمد فخرالدين يدرس السيرة من حيث هي نص تجميعي لمجموعة من الأجناس

والمتخيل في السيرة يقوم على الصراع بين النظامين: المضيء والمعتم، حيث تدخل الصور والرموز المنتمية إلى النظامين في مواجهة على المستوى الرمزي وتتشكّل بنية المتخيل في السيرة.


المتخيل الشعبي


وانتهى المؤلف من دراسة بنية المتخيّل في “سيرة الملك سيف” إلى استنتاجات حول المتخيل الشعبي في السيرة، والمكانة التي يحظى بها البطل كمجمع لكل الصور والرموز الإيجابية.

واستنتج أنّ المتخيّل في السيرة متشبع بالمتخيل الديني الذي يمفصل الفضاء إلى فضاء الجنة وفضاء النار، فضاء الكفر وفضاء الإيمان، فضاء الفوضى الكونية وفضاء النظام الإلهي. وأن الهاجس الأساسي بالنسبة للمتخيل في السيرة هو تحقيق التوازن البيولوجي والنفسي والاجتماعي لذات جمعية تعاني تقهقرا اجتماعيا وسياسيا.

على الصعيد السردي يرى الباحث فخرالدين أن هذه السيرة تتميز بغنى وكثافة سرودها، وتعدّد برامجها، وتنوّع مراحل خطاطتها السردية. وهذه السرود تؤطرها بنية عميقة تتكوّن من نبوءة مقدّسة توجه إنجازات البطل وتضمن له التأهيل اللازم، وتظلّل السرد بطمأنينة خاصة وتمنح التجسيد المناسب.

والبرامج السردية في السيرة هي برامج اتصالية تتصل من خلالها الذات الجمعية والفردية بموضوع الرغبة فيتصل العرب بالقوة، والأرض كلّها بالإيمان، ومصر بوادي النيل، والبطل بالمرأة.

ويعتمد السرد أيضا على تناسل السرود وتفرعها، وعلى تحفيز الروابط السببية، وعلى الاسترجاع والتناوب السردي، كما يعمد إلى تعديد الشخصيات وتنويعها وأسطرة الفضاءات والشخصيات.

15