باحث مغربي يقارن بين آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية

كتاب “النصيحة السياسية.. دراسة مقارنة بين آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية” للباحث المغربي المتخصص في العلوم السياسية عزالدين العلام، نهض على مقارنة بين نصائح الملوك العربية الإسلامية بمثيلتها الغربية، مؤكدا أن أوروبا العصور الوسطى شهدت، مثلها مثل الحضارة العربية الإسلامية، إنتاجا أدبيا سياسيا غزيرا يخص “نصائح الملوك” أو ما أُطلق عليه في تاريخ الفكر السياسي اسم “مرايا الأمراء”.
الخميس 2017/06/15
طريق لا يؤدي إلى دولة المواطنة

يتعلق الأمر بالعشرات من الكتابات، التي غطت فترات طويلة من تاريخ أوروبا المسيحية بدءا من أواخر القرن الخامس إلى حدود مشارف القرن الثامن عشر، واتخذت أشكالا متعددة في صياغتها، توزعت ما بين الخطب والرسائل والمقالات والمواعظ، أما موضوعها الأساس، فيتمثل، كما هو موضوع آداب الملوك الإسلامية، في بسط مجموعة من النصائح الأخلاقية والسياسية بهدف حُسن تدبير المملكة أو الإمارة. ومن هنا تقديمها باعتبارها دليل عمل لا يتوخى تحليل طبيعة النظام السياسي وآلياته بقدر ما يسعى إلى توضيح عدد من القواعد السلوكية التي يُلزم الملك أو الأمير بالسير على نهجها.

ورأى عزالدين العلام أن الباحثين في التراث السياسي العربي الإسلامي وفي قضايا عدة تخص الفرق السياسية والمذاهب الكلامية، حاول الكثير منهم استخلاص التصورات السياسية لبعض مؤرخي الإسلام، ناهيك عن تنظيرات عدد من الفقهاء أصحاب السياسات الشرعية. ومع ذلك، وفيما لو استثنينا عمل بعض الباحثين المحقّقين، وبعض الدراسات المحسوبة على رؤوس الأصابع، لحقّ لنا الإقرار بوجود نوع من الإهمال أو التغافل في حقّ جزء كبير من هذا التراث السياسي، ونقصد بذلك ما اصطلح الجميع على تسميته بـ”الآداب السلطانية” أو “نصائح الملوك”.

وقال إنه من الصعب أن ننفي عن هذا النوع من الكتابة السياسية أهميته التاريخية؛ بل الراهنة أيضا. تتمثل أهميته التاريخية في كونه شكّل المادة الأوفر من التراث السياسي الإسلامي مقارنة مع ما أنتجه الفقهاء في سياساتهم “الشرعية” والفلاسفة في سياساتهم “المدنية”. كما تبدو أهميته في تزامن ظهوره مع البوادر الأولى لتقعيد أسس الدولة العربية الإسلامية الوليدة، وفي كونه شكل المادة الرائجة طيلة قرون في بلاطات خلفاء الإسلام وملوكه وسلاطينه.

أما أهميته الراهنة، وخلافا لما قد يعتقد البعض من كونه جزءا من ماض انقضى، فتتمثّل في كونه يشكل مستودعا حقيقيا لنوع الثقافة السياسية، التي سادت طيلة مجريات التاريخ العربي الإسلامي، هذه الثقافة السياسية التي تؤكد كل الوقائع اليوم ضرورة تجاوز مخلفاتها أملا في تحقيق ثقافة سياسية حديثة تربط الرقعة العربية الإسلامية بمسار التاريخ الحديث.

ثانيا هناك توجه فكري ظل سائدا لفترات طويلة في أوساط الباحثين والدارسين، ولا سيما منهم المهتمين بقضايا التراث والحضارة العربية الإسلامية، ومفاده أن فهم مشكلات الحاضر يستدعي الرجوع إلى جذورها في وقائع الماضي، وأن كل عوائق التقدم التاريخي تجد مسبّباتها في ماضينا الخاص. وقد كان من نتائج هذا التصور العمودي لمسار التاريخ الإغفال شبه التام لـ”الآخر” الحضاري، وإن تمّ الحديث عنه فغالبا ما يكون باعتباره عامل تشويش على مسار المجتمعات العربية.

العلاقة بين الأوامر الدينية والقيم الأخلاقية وبين المجال السياسي لم تجد بعد طريقها نحو الحل، ولا يزال إلى اليوم يكسوها بعض الغموض والكثير من الالتباس

وأضاف العلام أن مثل هذا التصور العمودي يرتكز على نوع من انفصال الحضارات قد يؤدي، في نهاية المطاف، إلى التشبّث بـ”هوّيات” عمياء خارج التاريخ، تُرفع إلى مقام التقديس والاعتزاز الفارغ، كما لا ينتج عنه غير عزل “التواريخ الخاصة” عن مسار التاريخ الإنساني العام. قد يكون لهذا التوجه ما يبرره، وقد يحمل معه بعض الفوائد المعرفية. غير أنّه، في المقابل، يمكن القول إن اعتماد تصور أفقي يرتكز على استحضار الآخر في أبحاثنا، ومقارعة وقائعه بوقائعنا، ومقابلة ما جرى ويجري عنده بما جرى ويجري داخل رقعتنا، قد تكون له من الفوائد ما لا يُتوقّع. ومن شأن هذا التصوّر الأفقي أن يسمح لنا بإدراك أشياء غالبا ما نتغافل عنها، وفي مقدمتها أن أغلب القضايا التي تعاني منها المجتمعات العربية اليوم وبالأمس القريب، هي ذاتها التي تمكّنت أوروبا في فترات متقدّمة من تاريخها، من معالجتها والتّغلّب عليها، تارة بالتساكن والتفاهم والمهادنة، وتارة أخرى بالدم والصراع والحروب.

وأشار عزالدين العلام إلى أنه منذ أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، تمكّن الفكر السياسي الأوروبي، على الأقل في جزء منه، من ملاءمة القيم الدينية المسيحية مع العقلانية الأرسطية. كما تمكّن من تكييف “الأخلاقيات” المهيمنة آنذاك مع الواقع السياسي الجديد، وما يتطلّبه من خبرات وتقنيات، فاتحا بذلك الطريق نحو تأسيس بوادر إدارة أو بيروقراطية محلية ووطنية حديثة. كما نجح هذا الفكر السياسي في التجاوب مع الدعوات الإصلاحية ومع ما كان يعتمل داخل النسيج المجتمعي من تغيّرات نتيجة ظهور فئات اجتماعية جديدة لم يعد الواقع السياسي والقانوني السائد آنذاك يساير طموحها، فأكّد بذلك على أهمية “القانون” بالنسبة إلى الحاكم والمحكوم في مقابل فكرة “الولاء” الإقطاعية.

ولا نتيجة لمثل هذا التجاوب غير ظهور بوادر تأسيس مجتمع مدني يقوم على مبدأ التعاقد وقيم الفردانية والانتماء الوطني، بدل تصوّر ظلّ يختزل المحكومين في خانة “الرعايا” المؤمنين الطيّعين. وهذه كلها عوامل، وفق العلام، مهدت لتبلور الفكر السياسي الحديث الذي أكّد مفهوم “الدولة-الأمة”، باعتبارها قيمة مستقلّة في حدّ ذاتها دونما حاجة إلى قيم أخلاقية أو دينية تبرّر بها وجودها.

ولفت العلام إلى أن كلّ هذه القضايا، التي أسهمت مرايا الأمراء، سلبا أو إيجابا في حلّها وتجاوزها، لا تزال حاضرة في الرقعة العربية، تحول دون الانفتاح الكلّي للدولة والفرد والمجتمع على السواء. فالعلاقة بين الأوامر الدينية والقيم الأخلاقية وبين المجال السياسي لم تجد بعد طريقها نحو الحل، ولا يزال إلى اليوم يكسوها بعض الغموض والكثير من الالتباس. وكلّ القضايا المرتبطة بضرورة تأسيس مجتمع “مدني” مستقل يحكمه مبدأ التعاقد “القانوني” بين الناس في علاقاتهم ومعاملاتهم؛ لا تزال في طور التأسيس. وكلّ القضايا المتعلّقة بضرورة تأسيس إدارة حديثة تقوم على مبدأ “الشيء العام” بديلا للحواشي والتوابع وما هم إلا امتداد ليد الحاكم الطولى، نجدها مطروحة إلى اليوم. أما فيما يخص العلاقة بين المحكومين وحاكميهم، فمازلنا نعاين إلى اليوم عُسر الانتقال من جمْع “الرعايا” إلى مُفرد “المواطنة”.

ورأى أن الكثير أصبح يتحدّث اليوم عن مقوّمات الدولة الحديثة وكأنّها معطى جاهز دون الانتباه إلى أنّها خلاصة لصيرورة تاريخية متعدّدة الأبعاد تمتدّ من قلب العصور الوسطى إلى تباشير العصر الحديث. وليس التّفكير في “مرايا الأمراء” الغربية المسيحية، ومقارنتها بـ”آداب الملوك” العربية الإسلامية، غير محاولة متواضعة لإدراك بعض أوجه هذه الحركية التاريخية.

13