بادن بادن عاصمة أوروبا الصيفية… وقبلة في الشتاء أيضا

الجمعة 2013/08/16
جنة غافية تجتمع فيها جميع مزايا الطبيعة

لم آخذ على محمل الجد وصف الاعلامية لوسي حبيب لبلدة بادن بادن بأنها أجمل بقاع أوروبا ونحن نتجه إليها من لندن في زيارة صحفية، لكني وجدت نفسي متفقا معها ونحن في طريق العودة من زيارة استمرت ثلاثة أيام.

بادن بادن – أستطيع القول الآن بعد عودتي من رحلة سيطرت عليها الدهشة إلى بادن بادن، بأن أي مخيلة جامحة قد لا تستطيع أن تجمع أجمل عناصر الطبيعة والجغرافيا، مثلما اجتمعت في بادن بادن.

ماذا لو أضفنا عددا من الثروات الطبيعية وإمدادات متصلة على مدى العام من المياه المعدنية النادرة والتي تصل درجة حرارتها إلى 60 درجة مئوية طوال العام، وهي تتمتع بمزايا علاجية نادرة.

وهل يمكننا أن نتخيل أيضا آلاف الكيلومترات المربعة من أجمل غابات العالم لنرسمها حول تلك الجنة النادرة؟ هل سنصل إلى أبعد مما يمكن أن تصله أي مخيلة جامحة تحاول أن ترسم جنة نادرة على هذا الكوكب؟

ماذا أيضا لو أوصينا التاريخ في منطقة كانت ملتهبة بالحروب والصراعات على مدى أكثر من ألفي عام، بأن يكون رحيما معها ويجنبها معظم تلك الصراعات؟ حينها بالتأكيد ستعجز أي مخيلة عن رسم كل تلك المزايا في بقعة واحدة.

حتى أن جيوش الحلفاء التي دمرت معظم ألمانيا قرب نهاية الحرب العالمية الثانية لم تلمس البلدة برصاصة واحدة، لأن الفرنسيين قرروا منذ حين أنها ستكون مقرا للقوات الفرنسية بعد دحر القوات النازية. وقد أحسن الفرنسيون الاختيار، مثلما أحسن الرومان الاختيار قبل ذلك بألفي عام حين وقعوا في غرامها وجعلوها مركزا لهم في قلب أوروبا.

إنها بادن بادن البلدة الألمانية الغافية في نقطة عميقة في قلب الغابة السوداء في جنوب غرب ألمانيا، الأمر الذي يجعلها مصيفا مثاليا ومشتى مثاليا أيضا، حيث لا تنخفض درجات الحرارة في الشتاء بدرجة كبيرة، بسبب وقوعها في بقعة عميقة بين الجبال، إضافة إلى أنفاس واحدة من أقدم وأكثف الغابات في العالم.

درجات الحرارة لا ترتفع كثيرا في الصيف أيضا، فيجعلها ذلك مقصدا مثاليا للراحة والاستجمام طوال العام. تقع بادن بادن قرب الحدود الفرنسية غير بعيد عن مدينة ستراسبورغ الفرنسية، التي تزودها بمعين لا ينضب من طالبي الراحة من المسؤولين الأوروبيين والعالميين، الذين يزورون مقر البرلمان الأوروبي.

تكرار كلمة بادن في اسم البلدة التي تعني الاستحمام باللغة الألمانية، لتمييزها عن مدينتي بادن في سويسرا والنمسا وللتأكيد على أنها بادن التي تقع في ولاية بادن فورتمبيرغ الألمانية.

تتمتع المدينة بمعين لا ينضب طوال العام من المياه المعدنية الساخنة النادرة التي أصبحت مركز شخصية المدينة التي تضم أحد أعرق الحمامات الرومانية في أوروبا، إضافة إلى حمامات كاراكلا الأحدث تجهيزا، لتقدم لزوارها تجربة نادرة.

المياه المعدنية لا تحتكرها تلك الحمامات بل تذهب امداداتها إلى معظم الفنادق، التي يحتوى معظمها على تسهيلات نادرة ومنها فندق دورنت (DORINT) الذي استمتعنا بالإقامة فيه طوال الزيارة.

وقد لاحظنا أن البلدة ليست غريبة على السياح العرب حيث صادفنا العديد من السياح العرب يتجولون في المدينة.

كما يبدو من المقدمة لا يمكن حصر مزايا جنان بادن بادن، التي أفسح لها عدد من الجبال مساحة مثالية تتسع لمدينة وادعة بملاعبها وحدائقها ومتاحفها ونهر أوز الذي يناسب حجم البلدة الصغيرة التي تجري فيها الحياة بهدوء نادر، حيث لا تصادف شارعا مزدحما. فمعظم المقيمين في البلدة على مدار العام هم من طالبي الراحة والاستجمام، وهم قلما يأتون إليها بسياراتهم.

كما أن سكانها وزوارها قلما يحتاجون إلى المواصلات بسبب حجم البلدة الصغير ومتعة التنقل بين معالمها القريبة من بعضها دون الحاجة إلى المواصلات.

يصفها الكثير من الأوروبيين بأنها العاصمة الصيفية لأوروبا، لكن ذلك لا يحرمها من مكانة عاصمة الراحة والاستجمام في الشتاء أيضا، بل وطوال العام. الجبال التي تحاصر المدينة جعلتها موقعا مثاليا للطيرن الشراعي الذي يهبط على المدينة من الجبال المحيطة. مكانة المدينة العالية على خارطة أثرياء أوروبا على مدى قرون دفع مرافقها السياحية إلى مستويات قل نظيرها في بلدة سياحية صغيرة، وهي تمتد من الحدائق والمتاحف وصولا إلى الفنادق العريقة والحديثة ومنها فندق دورنت.

تبدأ المزايا من سهولة الوصول إلى المدينة من خلال المطارات الكثيرة القريبة، إضافة إلى دقة وانتظام وتسهيلات القطارات الألمانية التي تسيرها شبكة قطارات دويتشه باهن (Deutsche Bahn Train) التي قدمنا على متنها من مدينة فرانكفورت. وتمتد المعالم الاستثنائية لتصل إلى ثاني أكبر دار للأوبرا في أوروبا وأحد أشهر وأعرق مضامير سباق الخيل في أوروبا، وصولا إلى الكازينو الشهير الذي كان لفترات من التاريخ الكازينو الوحيد المفتوح في قلب أوروبا، في فترات إغلاق جميع الكازينوهات في أوروبا. بادن بادن تعد أيضا من «معابد» المجوهرات لارتباطها بمعظم العوائل الملكية العريقة على مدى قرون، خاصة قياصرة روسيا. لا غرابة إذن أن تضم متحف فابرجيه للمجوهرات التاريخية. الذي أسسه الملياردير الروسي الكسندر ايفانوف، ويضم مجوهرات معظمها ملكية تقدر قيمتها بنحو ملياري دولار.

ولا يخفي العاملون في المتحف أن يكون إختار المدينة لاحتضان المتحف جاء بسبب وداعتها وأمانها، بالإضافة طبعا إلى صلتها بتاريخ تلك المجوهرات.

يصعب إحصاء الملوك والأمراء والزعماء العالميين والشخصيات العامة الذين زارت واستمتعت بالمدينة الاستثنائية ومزاياها ومعالمها النادرة. لكننا سنذكر الروائي الروسي فيودور دويستوفسكي الذي أقام فيها وكتب فيها رواية «المقامر».

عدد سكان المدينة في حدود 50 ألف نسمة وهو حجم مثالي يجعلها تتفادى جميع مظاهر الترهل وأمراض المدن الكبيرة في أوقات الأزمات الاقتصادية. وقد منعتها الرقعة الجغرافية المحاطة بجبال من جميع الاتجاهات وامتدادات الغابة السوداء المحمية بالتشريعات الألمانية.

17