"باراشوت"

السبت 2016/03/12

قبل رحلته بساعات قليلة، أبلغت زوجة الطيار الإيطالي زوجها نيتها على هجره بعد حياة زوجية حافلة بالمنغصات وبعد أن استنفدت آخر المحاولات لإنعاشها بينما كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة. كان الطيار الأربعيني الذي لم تذكر الأخبار تفاصيل عن اسمه، معروفا لدى رجال الشرطة بسبب البلاغات التي اعتادت زوجته على تقديمها ضده بسبب إصراره على سوء معاملتها. لكن، يبدو أن الزوجة لم تتوخ الحذر وهي تبلغه قرارها الأخير وهو في طريقه إلى المطار على رأس رحلة روتينية من روما إلى طوكيو، برفقة 200 مسافر، كانوا سيدفعون ثمنا لتهور الاثنين، بعد أن أرسل الزوج رسالة غاضبة إلى هاتف زوجته مهدداً بإنهاء حياته، مع ركاب الطائرة طبعا، احتجاجا على قرارها الجائر!

طارت الزوجة إلى أقرب مركز للشرطة، قبل طيران الرحلة التي كانت ستصبح منكوبة، وقدمت بلاغا جديدا عن نية زوجها الطيار الانتحار برفقة ركاب طائرته الأبرياء، وبذلك تحفظت سلطات المطار على المجنون قبل أن ينفذ تهديده.

كان المسافرون على متن الرحلة الذاهبة إلى طوكيو أوفر حظا من مواطنين عراقيين أبرياء رحلوا أو في طريقهم إلى الرحيل عن هذا العالم البغيض، بسبب قرار أهوج اتخذه أو سيتخذه معتوه لإنهاء حياته الرخيصة حاملا رفقته حياة كاملة لرجال ونساء وأطفال كانت ستكون حافلة بالحب والأمل، لمجرد رغبته في الصعود الحر إلى سماء لا تعبأ به. هذا المعتوه الذي يمتلك الإرادة في لحظة طيش لقتل الآخرين، يعلم جيدا بأنه سيكون الرقم الأول في القائمة ورغم ذلك لا يعبأ بهذه النهاية.

ترى، لماذا يرغب الانتحاري أن يصحب معه الأبرياء وهو في طريقه إلى السماء، هل يخاف الوحدة؟

يرتكب فعل الانتحار عادة بسبب اليأس، ومعظم الأديان تعتبر هذا الفعل معصية إيمانا منها بقدسية الحياة حتى أن أغرب ما جاءت به بعض القوانين في الماضي والحاضر، هو إدراج الانتحار كفعل إجرامي يعاقب عليه القانون الجنائي! وليس معروفا بالضبط كيف سيتم عقاب الروح وهي في طريقها إلى الجحيم أو لماذا يستحق صاحبها عقابا مضاعفاً بعد أن تكفل بعقوبة نفسه مختارا.

في العموم، فإن أغلب المنتحرين يعانون من اضطرابات نفسية واضحة، هناك أيضاً العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجينات الوراثية. نقرأ كثيرا عن رب أسرة قام بقتل أطفاله وزوجته ثم سلّم نفسه لملاك الموت سعيدا راضيا بفعلته الجبانة، كمحاولة مخلصة لإنقاذ أسرته من الفقر! وهذه أبشع طرق الانتحار وأكثرها غباء على الإطلاق.

لكن طرق الانتحار كثيرة؛ وأخطرها على الإطلاق هي انتحار السياسي الذي تجتمع فيه كل العوامل والدوافع السابق ذكرها وخاصة ما يتعلق منها بالاضطراب النفسي؛ فبعض الساسة العرب يعانون من أعراض اكتئاب وقلق واضحين يتجلى ذلك في قدرتهم المحدودة على حل المشكلات إضافة إلى ضعف سيطرتهم على الانفعالات وتشوش في الرؤية وعشوائية القرارات.

وأكثر من ذلك، فإن السياسي الكبير في السن خاصة والذي يسمح لنفسه بالتمتع بمركز شرفي يتقاضى بموجبه أجرا مهولا من دون مقابل، يعاني على الدوام من تسلط الخاطر الذي يعذبه ويذكره دائما بأنه عبء ثقيل على الآخرين.

هذا السياسي الفاشل قد يدفع بالجماهير إلى اقتراف فعل الانتحار الجماعي، وهو يشبه كثيرا قائد الطائرة المجنون الذي يأخذ الأبرياء في رحلة سريعة إلى الموت، لكن السياسي وفي اللحظة المناسبة يتعلق بحبال (باراشوت) يساعده في الهروب من الطائرة ليصل إلى الأرض بسلام، ليترك الجماهير تستمتع بموتها على مهل.

21