باراك أوباما: لا نملك الخيار لغزو كل بلد تندلع فيه الاضطرابات

الجمعة 2015/02/20
أوباما: السياسة الخارجية الأميركية تمثل حالة وسط بين تيارين عامين هما "الواقعية" و"المثالية"

واشنطن - صرح الرئيس الأميركي باراك أوباما، في مقابلة مع موقع “vox” أن بلاده مستعدة لـ”لي ذراع الدول التي لا تنفذ ما تطلبه الولايات المتحدة منها”، وأضاف في حوار مع الكاتب اليساري الليبرالي، ماثيو إيغلسياس، أن الثورات العربية فرضت تغييرات على السياسات الأميركية التي كانت معدة مسبقا.

ورأى أوباما أن “ما يقلق الناس، وهو قلق مشروع، هي قوى الفوضى، أي الطائفية، بشكل تراجيدي في سوريا، ولكن كذلك في العراق”.

واعتبر الرئيس الأميركي أن السياسة الخارجية في عهده تمثل حالة وسط بين تيارين عامين هما “الواقعية” و”المثالية”، وقال موضّحا ذلك “لقد انقسمت السياسة الخارجية الأميركية على مر التاريخ بين المعسكر الواقعي والمعسكر المثالي. ومن ثم إن كنت مثاليا فأنت تشبه وودرو ويلسن فتدعم عصبة الأمم وتتخيل أن الجميع يمدون أياديهم ويفرضون هذه القوانين الرائعة التي يلتزم بها الجميع. أما إن كنت واقعيا فستساند الدكتاتوريين الذين صادف أنهم أصدقاؤنا وتعقد الصفقات التي لا تخدم إلا مصلحة البلاد بالمعنى الضيق. معتقدا أن ذلك يصف ما يجب أن تكون عليه السياسة الخارجية الذكية”.

الولايات المتحدة تدرك أن آسيا أهم منطقة للتنمية الاقتصادية في القرن 21 وأوباما يشدد على أن آسيا هي المنطقة الأكبر نموا في العالم


ملفات الشرق الأوسط


يشير ماثيو إيغلسياس، في سياق الحديث عن السياسات الأميركية في الشرق الأوسط إلى أنه كانت للرئيس بيل كلينتون سياسة سميت “الاحتواء الثنائي للعراق وايران”، أما جورج بوش الابن فكانت لديه فكرة عن الحرب الوقائية واستعادة الوضع السابق وتعزيز الديمقراطية. لكن تحت حكم إدارة أوباما مازالت الولايات المتحدة متورطة كثيرا في المنطقة، ولا يظّن إيغلسياس أن هناك فكرة واضحة عن نوع الهدف الاستراتيجي لإدارة أوباما.

وأرجع الرئيس الأميركي ذلك، إلى أن جزءا منه إلى طبيعة ما حصل في منطقة الشرق الأوسط. ويشير أوباما إنه دخل الأبيض وهو يحمل بعض النظريات الواضحة عن أهدافه في المستقبل، حيث يقول “خطّطنا لإنهاء الحرب في العراق، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي عبر تجريب الدبلوماسية أولا. وخطّطنا كذلك لتعزيز التنمية الاقتصادية في البلدان الإسلامية للتعامل مع النمو الديمغرافي. وخططنا لتعزيز المحادثات الفلسطينية الاسرائيلية.

ثم جاء الربيع العربي. ولا أذكر أن كل الرجال الحكماء في واشنطن كانوا يتوقعون ذلك. وهكذا حدث هذا التغيير العاصف وكان علينا أن نتأقلم مع التغيرات الكبرى في تلك المجتمعات. لكن إذا ألقيت نظرة على الأهداف الأساسية التي وضعناها فسترى أنها لم تتغير في جوهرها. لكن ما يقلق الناس، وهم محقون في ذلك، هو أن قوى الفوضى (الطائفية وخاصة في سوريا، وعجز الاسرائيليين والفلسطينيين على التحاور، واستمرار تآكل وظائف الدولة في أماكن مثل اليمن) تعني أن هناك الكثير مما يستدعي القلق أكثر مما كان في ظل النظام القديم. إننا نسلك ممرا صعبا ووعرا لكننا نتعامل معه بشكل يضمن سلامة الأميركيين ويؤمن مصالحهم. وإذا تمكنا من استعادة حكومة عراقية متعددة الطوائف وقادرة على العمل، وتمكنا من تحقيق اختراق دبلوماسي مع ايران، فعندئذ نمتلك أساس السير في اتجاه استقرار أكبر”.

لكن ذلك سيكون التحدي أمام الأجيال في العالم الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط وعلى الجميع التعامل معه وليس الولايات المتحدة لوحدها، وفق الرئيس الأميركي الذي أكّد قائلا “علينا أن نتحلى بشيء من التواضع في الاعتراف بأننا لا نملك الخيار لغزو كل بلد تندلع فيه الاضطرابات. على أهل هذه البلدان أن يجدوا طريقهم ويمكن أن نساعدهم لكننا لا نستطيع فعل ذلك مكانهم”.

التقارب الأميركي الايراني لا يزال يلقى معارضة قوية في الولايات المتحدة


التحول نحو آسيا وإيران


تدرك الولايات المتحدة أن آسيا أهم منطقة للتنمية الاقتصادية في القرن 21، وفي ظلّ تطوّرات الوضع في الشرق الأوسط، حيث يشدّد أوباما على أن آسيا هي المنطقة الأكبر نموا في العالم والأكثر سكانا في العالم، وبها أكبر بلد في العالم وهي الصين، التي مرت بتحول جذري وعجيب على مدى العقود الماضية. لذا فإن مدى حسن الأداء الاقتصادي للولايات المتحدة الأميركية، من وجهة نظر أمنية سيكون مرتبطا بعلاقتها مع تلك المنطقة. ولنجاح هذا التوجّه يقول الرئيس الأميركي إنه “لا بدّ من تكوين علاقة بنّاءة مع الصين، تكون صارمة بما يكفي للتأكد من أنهم لا يستغلوننا”، لكنها أيضا تبعث برسالة إليهم عن إمكانية خلق وضعية يكسب فيها الجميع في مقابل تنافس صرف يمكن أن يكون خطيرا.

وفيما يتعلّق بالملف النووي الإيراني، التي يلاقي بخصوصه أوباما معارضة داخلية وخارجية قويّة، يؤكّد الرئيس الأميركي أنه من حقّ المعارضين أن يرتابوا في ايران، فهي، على حد تعبيره، “رعت إرهاب الدولة. كما أنها قامت بتصريحات مؤسفة معادية لاسرائيل على أعلى المستويات. وتقوم بقمع مواطنيها وتوجد أدلة واضحة لا يمكن إنكارها بأنهم حاولوا في الماضي تطوير برنامج أسلحة وحاولوا إخفاءه عن الأنظار. لهذا نفهم سبب انشغال الناس سواء هنا أو في كافة أنحاء العالم”.

وبشأن الجدل الواسع في الكونغرس حول العقوبات أوضح أوباما “رسالتي هي أنه علينا اختبار فرضية أنه في حال تم التوصل إلى اتفاق فسيكون اتفاقا يمكن للعالم أجمع أن يجني مرابيح منه”.

وأضاف مبرّرا مساعيه “لكن ما قلته أيضا هو أن الصفقة التي عقدناها، أي الاتفاق المؤقت الذي تحقق بفضل نظام العقوبات الصارم، يعطينا أحسن فرصة لحل المسألة النووية في إيران دون اللجوء إلى القوة العسكرية”.

وأضاف “إذن إذا أعطينا مهلة شهرين أو ثلاثة إضافية لاستنفاذ جميع الاحتمالات من أجل إيجاد حل دبلوماسي، في الوقت الذي لا ينكر فيه أحد (بما في ذلك وكالات الاستخبارات لدينا والموساد وغيرها) بأن إيران تلتزم حاليا ببنود الاتفاقية، فلا يعني ذلك أننا نتراجع إلى الوراء”.

إذا تمكنا من استعادة حكومة عراقية متعددة الطوائف واختراق إيران دبلوماسيا فسنحقق الاستقرار الأكبر

واستطرد الرئيس الأميركي مشيرا إلى أنه ليس بوسع الإدارة الأميركية ضمان أن تتبع القوى السياسية في إيران ما يعتبر صفقة جيدة لها. وأوضح في هذا السياق “لا يمكننا ضمان اتخاذ الإيرانيين لقرارات عقلانية. ما علينا فعله هو اتخاذ احتياطاتنا من جهودهم عسكريا حتى نتمكن من مواجهة أي عدوان يمكن أن يظهروه بحزم وقوة. لكن يجب علينا أيضا التثبت من أن الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية والمعايير الدولية يمكن أن تصنع الفارق”.

وأضاف أوباما في سياق حديثه عن الملف النووي الإيراني “لقد عقدنا محادثات مباشرة بالفعل، ونحن الآن بصدد اختبار الاقتراح، والسؤال الآن هو هل توافق إيران المجتمع الدولي الذي قرر أن ما عرض يمثل مقاربة عادلة تعطي إيران إمكانية العودة إلى المجتمع الدولي وتثبت بأنها ليست بصدد السعي وراء اكتساب سلاح نووي”؟

وختم الرئيس الأميركي حواره مؤكدا أن نجاح إدارته سيكون متقطعا وفي بعض الأحيان سيحدث اختراقا وفي أحيان أخرى ستكون النتيجة متواضعة ولا تتحسن الأمور إلا قليلا. وأحيانا قد لا تنجح الخطة الأصلية فيجب إعداد الخطة “ب”.

لكن الهدف العام، وفق أوباما، هو عالم تواصل فيه الولايات المتحدة الاضطلاع بدور القيادة وتكون فيه البلد الذي لا يمكن الاستغناء عنه لبقية هذا القرن مثلما كانت في القرن الماضي.
12