بارانويا سينمائية

الأربعاء 2015/04/22

يصيبني كثير مما ينشر في الصحف العربية عن السينما وقضاياها، بالكثير من الدهشة، بسبب حجم ما فيه من “تلفيق” و”فبركة”، سواء من أجل مغازلة النزعات الشوفينية الضيقة لدى عموم القراء، أو المبالغة الشديدة في الترويج لنظريات المؤامرة التي تحيق بالمبدعين العرب.

فكثيرا ما اخترع كثير من الصحفيين، جوائز وهمية منحت لأفلام “عربية”، يزعمون أنها حصلت عليها في المهرجانات السينمائية الدولية، كما أنهم لا يكفون قط، عن الكتابة حول فكرة المؤامرة الغربية على المنتج الفني أو السينمائي العربي، وكثيرا ما يتهمون ما يصفونه بـ”المؤامرة الصهيونية”، خاصة عندما يحصل فيلم إسرائيلي على جائزة ما في مهرجان من المهرجانات الكبرى، أو عندما يفشل فيلم عربي في الوصول إلى نهائيات تصفيات الأوسكار مثلا.

والمدهش أن فكرة المؤامرة الكونية الدائمة والمستمرة عبر العصور، وهي الفكرة الثابتة في الفكر الصهيوني، قد انتقلت إلى الأدبيات العربية السائدة.

وكثيرا ما تتردد أنباء مبالغ فيها كثيرا، عن “الوجود العربي” في المهرجانات الكبرى، في حين أن ذلك الوجود المزعوم يكون عادة بأفلام لا علاقة للعرب بها، لا من قريب ولا من بعيد، فهي ليست من الإنتاج العربي، كما أنها لا تنطق باللغة العربية، ولا تدور أحداثها في بيئة عربية محددة، بل يتم نسبتها إلى “العرب” لمجرد أن يكون مخرجها “من أصول عربية” حتى لو كان قد ولد ونشأ وتعلم وانتمى إلى ثقافة أخرى مختلفة تماما، وأصبح يعتبر نفسه ابنا شرعيا لتلك الثقافة، يعبر عن مشاكلها وقضاياها، يتحدث لغتها، ويعمل بانسجام مع نظامها السينمائي.

ومع ذلك اتسعت دهشتي عندما قرأت أخيرا تقريرا تفصيليا طويلا نشرته صحيفة عربية تحت عنوان مثير هو “خطة هوليوود للسيطرة على العقل العربي”، يوجه كاتبه نقدا شديدا لما يطلق عليه “الإدارة العامة للسينما في وزارة الثقافة” (المقصود وزارة الثقافة المصرية)، التي يلاحظ أن برنامجها السينمائي يتضمن أفلاما أميركية، يرى أنها أنتجت بغرض “تخريب المجتمعات العربية بالتسلل الخفي لعقل ووجدان الجماهير، وبث الأفكار المسمومة لإحداث تغييرات نفسية وإنسانية وأيديولوجية عبر أزمان طويلة، لضمان الانقياد والسير في اتجاه الهدف”، هكذا بالحرف الواحد.

ودون الإشارة إلى أي مصادر يمكن العودة إليها، يتوصل الكاتب إلى أن «الإدارة الأميركية هددت بفرض عقوبات على الشركات الإنتاجية التي لم تلتزم بما يطلق عليه “النظام السينمائي العالمي الجديد”، وأوعزت بعدم توزيع أفلامها المنتجة حديثا داخل الولايات المتحدة، وبالفعل خشيت بعض الدول من إنزال العقوبات، وتوقفت عن إنتاج أفلام العنف لفترة تجاوزت الثلاث سنوات»، حسب ما ورد في التقرير المشار إليه.

نعم، هناك مكاتب لوكالات الاستخبارات الأميركية داخل هوليوود، تقترح وتساعد أحيانا في تطوير بعض الأفكار، أو تقدم بعض المساعدات خصوصا إلى صناع الأفلام التي تدور حول أعمال الاستخبارات مثل فيلم “30 دقيقة بعد منتصف الليل” الذي يروي تفاصيل عملية قتل بن لادن، أو فيلم “لارغو” عن تهريب رهينتين من إيران.

وفي المقابل لا يصل الأمر قط إلى حدّ تدخل الحكومة الأميركية بشكل مباشر في عملية الإنتاج، أو أن تحدد للشركات داخل وخارج أميركا أيضا، خطا معينا يتعين عليها الالتزام به بدعوى أن هذا هو “النظام العالمي السينمائي الجديد”، فهذا ليس في الواقع سوى مجرّد هراء ينتمي إلى الفكر الذي تروّج له الدكتاتوريات العربية، بغرض الشحن المتواصل للشعوب، وشدّ أنظارها بعيدا عما يحدث في الداخل، إلى مؤامرات وهمية تستهدف العقل العربي.

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16