باردة وموحشة

الثلاثاء 2014/02/18

لا يمكن أن تذهب الصور التي يخلقها خيال متعب، إلى حدود أبعد من تحسس المراحل الدقيقة لعذاب كائن بشري ما، تفصلنا عنه مسافات مكانية وزمانية حقيقية أو متخيلة.. والتحلي، فيما بعد، بدور المتفرج الذي لا يرى ولا يسمع وليست له الرغبة في الكلام؛ هذه هي المجسات الثلاثة لأخطبوط اللامبالاة.

اليوم، أنا أشعر ببرد شديد؛ لم تكن برودة الجو هي السبب، بل ذلك الطفل الملقى على قارعة الطريق الذي كان يغفو بأعجوبة داخل ملابسه المبللة في شتاء حديقة بغدادية قاسية، عرضة لنظرات الفضوليين، الذين صدمهم المشهد، ليس بصورة كافية على ما يبدو، فعدلوا عن فكرة انتشاله من بركة الماء إلى أجل غير مسمى، واكتفوا بالتقاط اللحظة “الفاجعة” قبل أن تفر منهم.

هذه الكاميرا البارعة نجحت نجاحاً باهراً في تخليد تقلصات الجسد الصغير وتحويل المشهد إلى ومضة صادمة، سرعان ما تخترق مجال البصر لتأخذ طريقها فيما بعد إلى زوايا الروح البعيدة، حيث يتسنى لها بعفوية أن تترك ندبة في الضمير وحسرة في الفؤاد.

أما صاحب الفكرة الرهيبة فيمكنه فيما بعد، الاستقرار في مقعد دافئ وثير، واستجداء إعجاب أصدقاء افتراضيين وجدهم مصادفة في إحد مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت.

من مفاضل التقنية الحديثة.. أن تأتيك الأخبار الخارقة للعادة، معلبة أو طازجة يومياً بالصوت والصورة أو الصورة المتحركة في أحيان كثيرة. ولك أن تتخيل الألم النفسي المتأتي من مشاهدة صور أناس في مراحل عذابهم المختلفة.. نساء ورجال وشباب وشيوخ.. يفرون من ساحات الحروب، وأحداقهم معلقة إلى أبواب السماء التي غلّقت من دونهم.

أطفال يفرون من الموت الذي يخفق في اصطيادهم في الشوارع الملغومة، ليلقوا حتفهم في أزقة الجوع والفاقة. وكل ما يمكن أن يحتويه خيال مؤلف بارع في صناعة قصص أفلام الرعب، من بناء مشاهد صادمة تعافها النفس ويلفظها ضمير ما زال مقاتلاً ساذجاً في معركة الحياة.

لا يمكن أن يُترك هذا الطفل الجميل هكذا، وحيدا في ذلك الصباح البعيد، وكل ما تملكه أنت شخصيا لا يرقى إلى مجموعة غبية من أزرار لوحة مفاتيح الكمبيوتر، إضافة إلى خيال متعب وذاكرة عجوز.

كيف يمكن أن ينام الوحش المختبئ خلف الكاميرا في تلك الصبيحة البغدادية الباردة والموحشة؟ وهل حاول خياله البليد يوماً الجلوس تحت المطر بثياب مبلّلة؟ وهل جرب يوماً مشاعر أب وأم سرقت من أحضانهما الدافئة فلذة كبدهما، فذهب وحيداً مبلّلاً بجسم نحيل لا يضع عليه شيئاً من ثياب العيد الأخير؟

ربما كان الطفل المشرد، مكيدة لجذب المارة وأصحاب السيارات، وربما يكون خاضعاً لتأثير المخدر أو ميتاً فقد طريقه نحو السماء.. ربما تكمن خلف المشهد عصابة إجرام تتغذى على دماء الأبرياء وطيور الجنة، وربما خشي صاحب الكاميرا على حياته ففضل الهرب. وهذا حق يكفله له دستور الأحياء.. ولكن، ما جدوى أن يعيش الجسد حيث تموت الروح.

21