باردو: محاولة لتوصيف المشهد

الأربعاء 2013/08/14

للأمكنة فيما يوسم بالربيع العربي سلطانها ولها على من رام التوصيف وتاق إلى بعض هدى في تتبّع مساراته ثقلها ووزن لا يستهان به في معادلة ما انفكت عناصرها تزداد تعقدا وتجنح بالقراءة جهة التيه، ولئن كان لما أثبتنا في مصر مداه بين رابعة والتحرير، فإن حاضرة «باردو» قد استطاعت بسبب من وجود المجلس التأسيسي بين أحضان مساحتها أن تستقطب كل الحدث ليحج إليها الفرقاء يفصلهم فيما تعاين الأبصار حاجز أمني وأسلاك شائكة وتحول بينهم في الباطن والمتستّر هوّات في الرّؤية ومسافات في تقدير الوضع وتأويله ويفصلهم نمطان من تمثلهم للحياة.

نمط أخلص للمعادلة الفذة بين خصوصيّته ومتطلبات الكونيّة، سيما أصحابه في وجوههم إذ تتطلع الأفئدة الى وطن أجمل على الأصعدة كلها، إلى ثقافة راقية واقتصاد يمضي صعدا في مسالك النّموّ وإلى شغل يكفل للإنسان كرامته.

وأمّا النّمط الثّاني فقد أخلص بكلّ ما توفّر لديه من ضيق في الرّؤية الى الرّجعيّة بكلّ لبوسها وأشبع خطابه بالدين معجما ذهب منه الجوهر فاستبدت الأعراض، وفيما تتحكم بهم أيديولوجيا ما أنزل الله بها من سلطان تدّعي لنفسها الإطلاقية وتتخذ من التكبير في غير مقامه سبيلا لوسم الموقف بهالة من القداسة.

تنصهر في النمط الأول مختلف الايديولوجيات فتذوب الفوارق بين اليسار واللبيرالية والأفق القومي لتتقاطع في كل اسمه تونس ومدنيّتها الّتي يتهدّدها خطر الاستلاب وتهوي في غور سحيق.

إن المشهد في باردو يختزل كل شيء فالصراع قائم بين غرفتين معتمة ومستنيرة، مغلقة ومفتوحة، بين أرضين ملغمة تبتر فيها الأرجل وخصب مثمرة، بين رؤيتين للحياة رؤية كابوسية وأخرى حالمة، بين «إسلام نكديّ» بعبارة الدّكتور عبد المجيد الشرفي وإسلام للبهجة وللخلق والبناء. بين فريق يفهم الشرعية فهما سطحيا منمطا ويعتبرها ملكا شخصيا وحائط مبكى، وفريق لا يراها إلا متصلة بمصالح الوطن العليا يصح تعديلها وتبديلها متى أمست متحركة خارج السياق الذي نشأت من أجله.

وللأعلام في باردو دلالاتها الرمزية ففي الوقت الذي رفرف فيه علم تونس لدى الداعين لإسقاط المجلس وإلى حكومة إنقاذ وطنية لا ينازعه في الهواء الطلق شيء ولا يخالطه غريب، رفعت الأعلام لدى الفريق المقابل محاصرة بما شذ واقعة بين فكّين في ضرب من الاقحام المغرض وإلى جانبها رفعت أعلام سوداء موازية لبياضها معتّمة لحمرتها.

إنّ باردو لا تعبر عن انقسام قدر ما تدل عن تباين في تمثل الأشياء لم يكن من بين أهداف الثّورة التي حادت بسبب من سفاسف عن أهدافها فبدلا من أن يولى السعي شطر التّشغيل والنّهوض بالإنسان التّونسيّ وعيا وثقافة ليكون شريكا فاعلا في فضائه الكوني، تعزز الجدل حول مسائل لم تقدم في الأمر شيئا وإنما أخّرت وعلا السّجال حول نوايا النّاس وما يجيش بذوات صدورهم.

فعاد السّجال إلى معضلات قروسطية تجاوزتها البشرية ووقع التضخيم من بديهيات تتصل بهوية الشّعب، ليكون المناخ موافقا لبروز مظاهر كانت تونس طوال تاريخها أبعد ما تكون عنها، وإلى إطالة أياد لمن قصر فهمهم للدين فحنطوه ولجموا ما فيه من منافذ على التّسامح وقبول الآخر، ووجد أصحابها من تسامح السائس ومن المد المشبوه ماديا ما به تجبروا فقطفوا الأرواح اليانعة وأفسدوا في الأرض.

8