بارزانستان

حتى لو كانت الأغلبية الشعبية في الإقليم تريد الانفصال وتأسيس دولة مستقلة محاصرة بالعراق وتركيا وإيران وسوريا فليكن، ولكن ليس بالقادة الفاشلين الفاسدين.
الخميس 2018/12/06
هل يقف أصحابُ العقول النيرة من أشقائنا الأكراد في وجه المغامرات والمغامرين

مقدما لا بد من القول بأن أي عراقي عاقل ونزيه وصاحب ضمير حي لا بد أن يحترم الشعب الكردي الشقيق، ويتمنى له الخير والأمن والسلام، وفي أي كلام له عمّا يجري في الإقليم من موبقات يفصل تماما بينه وبين القابضين على السلطة والثروة والسلاح وتحالفاتهم الفاشلة وشعاراتهم الزائفة وسياساتهم الخاطئة.

تقول آخر أخبار الحزب البارزاني إن قرارا قد اتخذ ولا رجعة فيه بتعيين ناجيرفان البارزاني رئيسا للجمهورية البارزانية ومسرور (ولي عهد الرئيس مسعود البارزاني) رئيسا للوزراء. وطبعا لن تكون باقي المناصب القيادية المهمة، كقيادة البيشمركة وإدارات المخابرات والمالية والخارجية والاستثمار والنفط، بعيدة عن أحد أبناء عمومة الرئيس وأبناء قبيلته الأقربين والأبعدين.

والحجة التي برروا بها هذا الاستعمار العائلي لإقليم كردستان هي أن حزبهم فاز بأغلبية مقاعد البرلمان، ولكن في انتخابات لا تختلف بشيء عن انتخابات شقاوات بغداد التي أنجزوها بالتلويح بسلاح الميليشيات، أو ببريق المال المختلس الحرام.

وبهذا تكون زيارة مسعود البارزاني لبغداد قد أنجزت المهمة، وحصل فيها على موافقة المعتمد الإيراني في العراق على منحه كردستان العراق إقطاعية خالصة، لا للحزب الديمقراطي الكردستاني، ولا للعشيرة البارزانية، بل لعائلة مسعود، تحديدا، ودون شريك.

كما أعطوه وزارة المالية ونيابة رئاسة الوزراء للشؤون الاقتصادية (فؤاد حسين)، وسمحوا له بالمشاركة في نهب خزائن العراق، مع حلفائه الشطار العراقيين. وكل هذا الكرم الحاتمي الواسع الكبير مقابل أمرين.

الأمر الأول زيادة وتيرة تجارة التهريب بين العراق، عن طريق كردستان وإيران ذهابا وإيابا لكسر شوكة عقوبات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا يعرف مدى مهارة هؤلاء في فنون الاختلاس والتهريب العصية على الاكتشاف حتى على مخابرات الولايات المتحدة التي لا ترحم.

والأمر الثاني التنازل، طواعية ونهائيا، عن جميع الكلام المنمق السابق عن الحق الشرعي للأكراد في تقرير المصير والاستقلال والانفصال، والكف عن مشاكسة أحزاب الحكم الإيراني العراقية وميليشياتها، والالتحاق بمَجمَع شيعة إيران وسنتها المنضوين تحت خيمة مشروع الإمام الخميني.

وها هي الأمور بدأت تكشف عن نفسها بسرعة ودون انتظار. فمن الآن وصاعدا ستكون طلبات إيران أوامر. ومن الأمثلة على ذلك أن نواب الحزب البارزاني في بغداد أصبحوا من ضمن المعسكر النيابي الخاص بـ”المجاهدين”؛ هادي العامري وقيس الخزعلي ونوري المالكي. فقد أعلنوا، الثلاثاء، أن الرئيس مسعود البارزاني أوصى بفالح الفياض وزيرا للداخلية، لأنه “أعطى ضمانات للأكراد بخصوص المناطق المتنازع عليها”.

وبتقرير البارزانيين، الثلاثاء، أن رئيس جمهورية كردستان القادم هو ابن أخ مسعود، وأن رئيس وزرائها هو ابنُه، يكون الاحتلال الإيراني للعراق من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله، قد اكتمل، نكاية بالولايات المتحدة وحلفائها، وبتركيا وأولادها العراقيين، والسعودية ووكلائها المعتمدين، وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والكويت والأردن ومصر وحماس وقطر وأي حكومة أخرى تمارس اللعب بالنار على ساحة العراق المحاصر السجين.

ترى هل عميت الجماهير الكردية فلم تعد ترى ما فعلَ وما يفعل البارزانيون بالإقليم، منذ استقلاله عن مركز الدولة العراقية بُعيد انتفاضة 1991، ثم بعد أبريل 2003، وحتى اليوم؟

وحتى لو كانت الأغلبية الشعبية الحقيقية في الإقليم تريد الانفصال وتأسيس دولة مستقلة محاصرة بالعراق وتركيا وإيران وسوريا، فليكن، ولكن ليس بالقادة الفاشلين الفاسدين الذين لهم في كل يوم سياسة، وفي كل يوم قرار.

فرئيس وزراء كردستان الجديد، كاكه مسرور مسعود البارزاني، هو القائل بأن “الأكراد، اعتبارا من الجمعة السادس من مايو 2016 ليسوا مواطنين عراقيين، ولا توجد أي روابط ثقة بيننا وبين بغداد”، و”الحل الوحيد لما يجري هو الانفصال بالنسبة لنا”، فـ”التعايش الإجباري في العراق لا فائدة منه، لكونه بلدا قد فشل في كل شيء”.

كما صدر عن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، يوم 16 أكتوبر الماضي، 2018، بيان جاء فيه “في مثل هذا اليوم قبل عام وقعت كركوك تحت الاحتلال، وإن الآلاف من الأكراد ضحوا بدمائهم للحفاظ عليها”، وإن يوم “16 أكتوبر يوم مظلم في تاريخ شعبنا الكردي، وهو يوم تمَّت فيه خيانة آمال وطموحات شعبنا الكردي المظلوم”.

ومن عرف مسعود البارزاني، عن كثب، من قبل احتلال الكويت عام 1990، أي من أيام لجنة العمل المشترك، ثم أيام مؤتمر بيروت 1991 وبعده، ومن حضر مؤتمرات المعارضة العراقية السابقة، وخصوصا آخرها في صلاح الدين في العام 2002، واستمع إلى خطاباته، ولمس قوة تمسكه بتحالفاته مع مخابرات النظام الإيراني والأحزاب الإسلامية العراقية المولدة في إيران، يدرك أن حديثه عن “آمال وطموحات شعبنا الكردي المظلوم” حديث خرافة، ومغالطة من الوزن الثقيل.

ترى هل يقف أصحابُ العقول النيرة والضمائر النقية من أشقائنا الأكراد في وجه المغامرات والمغامرين، والمقامرات والمقامرين، قبل فوات الأوان؟

8