باريس تحتفي بأنسيلم كيفر مبدع جمالية الأنقاض

لأول مرة في فرنسا، منذ ثلاثين عاما، يقيم مركز بومبيدو بباريس معرضا استعاديا ضخما للألماني أنسيلم كيفر، الذي يعتبر من أهم الفنانين التشكيليين في ألمانيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بالتوازي مع معرض آخر يقام له في المكتبة الوطنية فرنسوا ميتران حول حضور الكتاب في أعماله، وذلك رغم أنه استوطن فرنسا منذ عام 1993، واستقرّ في كرواسي بوبور إحدى ضواحي باريس.
الاثنين 2016/01/25
عوالم معقدة بدلالات كثيرة ومتناقضة

عرف الرسام الألماني أنسيلم كيفر، الذي تحتفي به فرنسا حاليا في معرض استعادي بمركز بومبيدو، أساسا بلوحاته ومنحوتاته، فيما ظلت كتبه التي تمثل ستين بالمئة من عمله على الهامش.

تلك الكتب موجودة في نسخ فريدة ما انفكت أحجامها وأشكالها تتفاوت من حيث المساحة والوزن على مرّ السنين، بإضافة مواد مختلفة إلى صفحاتها كالطين والرمل والنبات والرصاص، الذي بفضله يغدو وزن الكتاب الوحيد متراوحا بين سبعين ومئتي كيلوغرام.

ولد أنسيلم كيفر عام 1945 في دوناوشينغن، عند التقاء نهري بريغش وبريغ اللذين ينبعان من الغابة السوداء بولاية بادن ليشكلا نهر الدانوب. وبعد دراسة القانون واللسانيات، اختار الفنون الجميلة فالتحق تباعا بأكاديميات فريبورغ وكارلسروه ودوسلدورف، جلب الاهتمام بادئ الأمر بصور له نشرت عام 1969 في أهم المدن الأوروبية وهو يرفع التحية النازية، ويرتدي الزي الذي كان يلبسه أبوه عندما كان ضابطا في الفهرمخت، أي الجيش النازي، زعم أنها إنجازات فنية عنوانها “احتلال بصيغة الجمع”، يؤكد من خلالها أن النازية لم تمت، وأنها متخفية، ويدعو إلى ضرورة النضال ضد النسيان.

ومنذ عام 1970، ساهم مع جورج باسليتز وغرهارد ريختر وسيغمار بولكه ويورغ إيمّندورف في تجديد الفن التشكيلي الألماني في السبعينات، الذي برز في ظرف عالمي طغت عليه التعبيرية الجديدة. وما لبثت تجربته أن اكتسبت فرادتها، من خلال هوسه بمعالجة التاريخ وأساطير ثقافة شمال أوروبا.

تجربة كيفر اكتسبت فرادتها في السبعينات، من خلال هوسه بمعالجة التاريخ والأساطير الخاصة بثقافة شمال أوروبا

يضمّ المعرض ما يقارب مئة وخمسين عملا فنيا، منها ستون لوحة زيتية من أروع ما رسم كيفر، إلى جانب تجهيزات ضخمة أمام المركز، ولوحات خطوطية على الورق عند مدخله يعرض أغلبها في أروقة المكتبة الوطنية الفرنسية، وكان قد أنجز منها أكثر من مئة بين عامي 1968 و2015، إضافة إلى لوحاته التاريخية الشهيرة مثل “التربيع” (1973) و“فاروس” (1976) و“مرغريته” (1981) و“سولاميت” (1981)، وكلها مستمدة من الأساطير المؤسسة للمخيال الأوروبي.

وقع إعداد أربعين لوحة زجاجية خصيصا لهذا المعرض حول ثيمتي الخيمياء والقبلانية (أي تفسير اليهود للتوراة صوفيا ورمزيا حسب التقاليد )، وكذلك حول العالم المفكك للعصر الصناعي البائد، حيث آلات ما عادت تصلح للاستعمال، كآلة الرقن الغائصة حتى نصفها في رمل الزمن الذي يمضي، وقطع صفيح صدئة، ونباتات ذاوية قبل اكتمالها وأشياء أخرى لها صدى حميم، كلوحاته المائية ذات المنحى الإباحي الذي يبدو فيه التأثر برودان واضحا، سواء في لوحاته الضخمة، أو أعماله على الورق.

من رودان، استلهم أيضا بيوته ذات الأشكال المتقشفة والألوان الغامقة، والزائر يصادف في هذا المعرض بيتا من بيوته كان أعدّه في برغام بمقاطعة غار، حيث أقام واشتغل من بداية 1993 حتى 2007 في أرض صناعية مهملة تمسح خمسة وثلاثين هكتارا، قبل قدومه إلى باريس.

وقع إعداد أربعين لوحة زجاجية خصيصا لهذا المعرض حول ثيمتي الخيمياء والقبلانية (أي تفسير اليهود للتوراة صوفيا ورمزيا حسب التقاليد)، وكذلك حول العالم المفكك للعصر الصناعي البائد

هذا البيت البرج، الذي يشبه داخله بيت سكان الكواكب البعيدة، كما يتجلى في بعض الأفلام، مفتوح للزوار، يمكن أن يكتشفوا فيه المواد التي يفضلها كيفر في منحوتاته، كالرصاص والنحاس والصفيح، إلى جانب آلاف الصور التي التقطها خلال مسيرته، والتي يستغلها أحيانا في تأملاته الفنية حول الزمن والذاكرة، وأحيانا أخرى كصور حية تشهد على زمن تولّى، وهي تشكلّ في الحالين ثيمة أساسية من ثيمات إبداعاته.

كما هو الشأن عند شاغال، تأخذ وحدات اللغة الذاتية مناحي متعددة، وكذلك تأويلاتها، فهي عوالم معقدة، ذات دلالات كثيرة ومتناقضة. فما الذي يمثله الثعبان الحاضر في بعض أعماله؟ هل هو الشرّ المطلق، أم الغواية، أم التهديد، أم الحكمة، أم هو مجرد رمز للشبق؟ كذلك الغابة، وعصور ما قبل التاريخ وأعلامها، وزخم الحكايات الجرمانية وشخوصها وسحرها المؤذي، والطبيعة، والوطن وأسراره ومَردته.

أما الأنقاض، الحاضرة بكثافة في أعماله، والتي يقدمها في صورة مشاهد مدينية متهاوية، حيث تتشابك في أعطافها كتل خرسانة وقضبان حديد معوجّة صدئة، فكأنها جعلت لتطهير النفس مما استقر بها منذ النشأة الأولى، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وما حاق بالمدن الألمانية من دمار، فقد أفرزت لديه ما يسميه النقاد جمالية الأنقاض، سيرا على خطى سابقيه، وإن كان كيفر يتخذها للتعبير عن الحاضر، ففي نظره أن المادة تحمل في ذاتها روحها وذاكرتها.

وكيفر بالإضافة إلى المواد التي يستعملها عادة في الرسم الزيتي، يستعمل الطين والجبس والنباتات كعبّاد الشمس والسرخس والقش والرماد والحديد وخاصة الرصاص، الذي درج على استعماله منذ عام 1970، لما فيه من خصائص مميزة، ككثافته وليونته وقابليته للتطويع وعدم تأثره بإشعاعات الآلات المنزلية.

16