باريس تحتفي بأيقونات الموسيقى والفن في العالم

معرض للمصور بيير كومي والرسام جيل بلانكارد يحتفي بأيقونات الموسيقى والفن في العالم من خلال 110 لوحة تعكس عوالمهما المُتخيّلة والمزينة.
الأحد 2020/02/02
غرفة متخيلة لمعجب مهووس

يتميز بعض اللوحات الفنية في شكل عام بسعيه إلى مطابقة الواقع، لكن الأمر ينتهي بخلق واقِعٍ أشد جمالاً أو قبحاً من الأصل، ليمتلك العمل الفنيّ خصائص لا يمكن أن تكون “حقيقة” لكنها واقعيّة، تظهر فقط ضمن الإطار الذي “يلعب” ضمنه الفنان، الذي يعيد تكوين خصائص الأصل، ويضيف إليها عناصر جماليّة تكسبها حكاية ًوشكلاً قد يتحولان إلى “حقيقة” تترسخ في عقول الجمهور، كحالة الأيقونات الدينيّة، والفنون الوطنيّة والدعائية، وتلك التزيينيّة أيضاً، التي تطغى فيها المخيّلة على الحقيقة.

التقى المصور بيير كومي بالرسام جيل بلانكارد في حفلة موسيقيّة منذ أكثر من 40 عاماً، وبدأ تعاونهما الفنّي منذ تلك اللحظة حتى الآن، وعرفا على الساحة الفنية الفرنسيّة باسم بيير وجيل، أما سبب شهرتهما فيعود إلى عملهما الذي يمزج بين التصوير والرسم، إذ أنجزا صوراً وبورتريهات شديدة البهرجة لفنانين ومغنين، مشاهير ومغمورين، نشاهدها في معرض “صناعة النجوم” في مركز الفيلاهارموني الباريسي، الذي يستضيف 110 لوحة تعكس عوالمهما المُتخيّلة والمزينة، تلك التي تبدأ بصورة فوتوغرافية يلتقطها بيير ضمن مساحة مزينة ومجهزة، ثم يقوم جيل بطباعتها على قماش ليرسم فوقها ويزينها، جاعلا من النجوم الذين يُصورهم جزءا من عالم ورديّ وأحياناً سوداويّ، عالم لا يمكن أن يوجد إلا ضمن اللوحة.

نتعرف في المعرض بداية على أسلوب عمل الثنائيّ، إذ يستقبلان من يريدان تصوريه في مُحترفهما، وبعد تكبير الصورة تنتقل عبر فرشاة جيل إلى فضاءات سورياليّة ومتخيّلة، وكأن الاثنين يسعيان إلى تشكيل بانثيون بصريّ متخيل لنجوم الموسيقى، أشبه بذلك الذي تتحرك ضمنه الآلهة اليونانيّة في اللوحات الوثنيّة، لكن عوضاً عن آلهة اليونان وحكاياتها، نشاهد صور من نحبهم ونعرفهم محاطين بمنتجات الثقافة الشعبيّة من ألعاب وصور، وكأن نجوم الآن يمتلكون هالة الآلهة القديمة، تُحدق بهم الأعين، ويبهروننا بما يقدمونه على الشاشة، كما في عمل التجهيز الذي أنجزه الثنائيّ في التسعينات من القرن الماضي، المستوحى من انتشار ثقافة الموسيقى بشكل هائل بسبب ظهور قنوات كـMTV وغيرها.

مساحات متخيلة للسعادة

الفنان ملهماً لأقرانه
الفنان ملهماً لأقرانه

أول ما نشاهده حين نخطو داخل الصالة الرئيسيّة عمل التجهيز الذي أنجزه الثنائي خصيصاً للمعرض بعنوان “غرفة سيلفيا”، والذي يحتفي بالمغنيّة سيلفيا فارتان، محبوبة الشبان والشابات في الستينات من القرن الماضي، هو عبارة عن غرفة متخيلة لواحد من المعجبين بسيلفيا، كل ما فيها موسوم بصورتها، أشبه بملاذ أو ملجأ متخيّل كل ما فيه جميل ومبهرج، مكان خارج الزمن الواقعي، يحوي كل ما يمكن أن يمتلكه معجب مهووس، التجهيز مضحك ونوستالجي، ويبعث على الريبة كما يُفعّل صيغة التلصص لدى المشاهد، لكن هذا الشعور يتلاشى حين نشاهد الصور التي توثق عملية بناء هذا التجهيز، الذي زارته وتصورت فيه فارتان نفسها.

مصدر الإلهام

أسلوب تزيين بعض اللوحات في المعرض مستوحى من لقاءات الثنائي مع من يريدان تصويره، كتلك التي نشاهد فيها إيغي بوب، مغني البانك العالميّ، أشبه بمؤد فوغ ديسكو، بقميصه الأبيض، ومكياجه المتقن، وذلك ضمن جلسة تصوير أنجزت عام 1977، إذ يقول الثنائي إنهما كانا يحاولان حينها تحدي الحس الجماليّ السائد في فرنسا، وخلق تناقض بين هالة الفنان وبين الشكل الذي يظهر فيه، لتأتي اللوحة التي نشرت في مجلة “فاساد” أشبه بصدمة لمتابعي إيغي بوب المعروف بذكورته المفرطة، كما أن الأسلوب الذي ينظر فيه بوب إلى المشاهد يعيدنا إلى تاريخ البورتريهات الكلاسيكيّة التي تظهر فيها نساء المجتمع الراقي، متفاجئات، مصدومات، وكأن الصورة / اللوحة التقطت بعفويّة دون أن يعلمن.

مزار لأيقونات الموسيقى المعاصرة
مزار لأيقونات الموسيقى المعاصرة

يستوحي الثنائيّ أيضاً لوحاتهم والزينة التي تحويها من شهرة وسمعة من يقومان بتصوريهما، لتكون اللوحة تعبيراً بصرياً عن صيت هؤلاء النجوم، كحالة لوحة “إلى الأبد” التي نرى فيها المغني البلجيكيّ ستروماي، الذي تتحول مشاعره إلى هالة من الورود التي تحيط به، ذات الأمر في اللوحة التي تحمل اسم “أسطورة”، ونرى فيها مادونا بثياب يابانية تقليدية محمولة تجلس على قمر في السماء، المثير للاهتمام أن العمل مستمد من إعلان

قامت به ملكة البوب في اليابان، وتظهر ضمنه عاليةً بين النجوم، لن يصل إلى نجاحها أحد، هذا الأسلوب يتضح مع مايكل جاكسون، الذي يظهر في إحدى اللوحات أشبه بإله هندي ذي أيد ممتدة في كل مكان، مُحاط بمريدين ومتعبديّن يرددون أغانيه.

ضد الأيقونة

نجوم الموسيقى ضد الرموز الدينيّة
نجوم الموسيقى ضد الرموز الدينيّة

يعيد الثنائي النظر في تاريخ الأيقونات والأشكال التي احتكرتها سواء على صعيد أسلوب التزيين أو طبيعة الوضعيات التي تأخذها الشخوص ضمنها، كما سلسلة لوحات “مادونا” التي أنجزاها على مدى عشرين عاماً، إذ نشاهد مثلاً في لوحة “مادونا ذات القلب المكسور” مغنية البوب الفرنسيّة ليو مغطاة بثوب مزخرف، وتضع تاجاً، وتحمل في يدها حلية أشبه بالمجوهرات الملكيّة، كما تحيط بها هالة من نجوم أو ألعاب ناريّة عوضاً عن هالة النور التقليديّة التي نراها في الأيقونات الدينيّة، كذلك نرى في لوحة “مادونا والزهور” المغنية كلارا لوسياني أشبه بعروس تبكي دما، وتضع تاجا من زهور، في مساءلة لأيقونات زوايا الطرقات التي يصلي لها الناس ويشعلون الشموع.

فضاء الفرح والوثنية

المعرض أشبه بمعبد وثني معاصر، هناك موسيقى في الأجواء وأيقونات مختلفة تحيط بالزائر، كما يمكنه شراء تذكارات مختلفة كما يحصل حين زيارة الفاتيكان مثلاً، نحن أمام فضاء محكوم بالبهرجة والزينة واللعب، أشبه ببارودي للتاريخ الجدّي الذي تمتلكه الأماكن المقدسة، فكل ما نراه يبدو مكشوفا وواضحا، وكويري، لا اختفاء أو مجاز، لا خطيئة في استعراض الجسد أو الرقص أو الهوس بما هو جسمانيّ، وكأننا أمام دعوة للاستمتاع بالتجارب الحسيّة بعكس ما يحصل في الأماكن المقدسة التقليديّة.

14