باريس تحتفي بالعصر الذهبي للفن الإنكليزي

المعرض يقدّم لزوّاره إمكانية اكتشاف خمسين سنة من الفن الإنكليزي عبر ثلاثة وثلاثين رساما، لكل واحد منهم خصوصيته.
الاثنين 2019/11/04
تصويرية سردية فتحت الباب أمام تصوّر جديد للفن

من الأحداث الثقافية الهامة في باريس، معرض “العصر الذهبي للفن الإنكليزي، من روينولدز إلى تورنر” الذي يقام بـ متحف لوكسمبورغ، ويضم عددا من الأعمال لأهم حقبة في تاريخ الفن بإنكلترا، تلك التي تمتد من 1760 إلى 1820.

 سيكون أمام روّاد متحف لوكسمبورغ بالعاصمة الفرنسية باريس خمسة أشهر لاكتشاف خمسين سنة من الفن الإنكليزي، من خلال لوحات لثلاثة وثلاثين فنانا أعارها إياه متحف تايت بريتن مجّانا، وتمسح فترة هامة من تاريخ الفن في إنكلترا تقع ما بين 1760 و1820، وهي الفترة التي وُصفت بالعصر الذهبي.

كان ذلك مع بداية عهد جورج الثالث، الذي عمل على خلق هوية بريطانية خالصة، فقرّر نشر الفن بين الناس وتحسيس الشبيبة المتعلمة بأصوله ومقوماته، وكان لا بدّ أن يؤسّس مدرسة للفنون لتكوين فناني المستقبل، على غرار بقية الممالك الأوروبية، فأنشأ عام 1768 الأكاديمية الملكية للفنون تعبيرا عن مطمح جمالي جديد، ذي صلة بالتحوّلات المجتمعية، وتأكيدا لمكانة المملكة على الصعيد العالمي، وتردّد طويلا في اختيار من يسهر على تسييرها، بين علمين كبيرين تميزا في فن البورتريه هما جون رينولدز (1723-1792) ذو النفس التجديدي الجريء، وتوماس غينزبورو (1727-1792) ذو النزعة الأكاديمية في استلهام عناصر التاريخ. وأخيرا وقع اختياره على غينزبورو ليكون أول رئيس لتلك الأكاديمية.

لم يمنع ذلك استمرار المواجهة الفنية بين الرجلين، وتأثير كل منهما على الساحة الفنية في إنكلترا، وإحداث نقلة نوعية في تاريخها، سواء عن طريق البورتريهات التعبيرية، أو مشاهد الحياة اليومية، أو ترميزهما على الطفولة، وكانت ثيمة جديدة في الفن الإنكليزي، إضافة إلى المناظر الطبيعية في الأرياف.

وقد ساهمت تلك الأكاديمية التي وجدت الرعاية من الملك ومن رجال الصناعة والتجارة في توفير حرية تامة للفنانين، ولم تخضعهم لشروط أو قواعد، وسمحت بظهور العديد من الفنانين المتميزين أمثال جورج ستوبز، وجورج مورلاند، وهنري فوزلي، وجون مارتن ووليم تورنر، وضعوا تصوّرا جديدا للفن تنامى تدريجيا ليفسح المجال لمخيال ما انفك يتطوّر.

اكتشاف خمسين سنة من الفن الإنكليزي
اكتشاف خمسين سنة من الفن الإنكليزي

والمعرض يفتتح بهذه المواجهة، بين أسلوبين، أسلوب ناجم عن تأمل وتفكير عند رينولدز، وآخر أكثر عفوية لدى غينزبورو، تلاها أثر كل واحد منهما في جيل من الفنانين أمثال جون هوبر، وتوماس لورانس ووليم بيتشي، ذلك أن الرسام الإنكليزي في القرن الثامن عشر لا يمكن أن يتصوّر الرسم دون استلهام أعمال ذينك العلمين البارزين، إما تعبيرا عن الإعجاب، أو تأكيدا على المنافسة.

وبدخول المجتمع الإنكليزي في الحداثة، ظهر تصوّر جديد للأسرة أكثر حساسية وحميمية، كما رافق ازدهار النهضة المعمارية التي شهدتها البلاد ميلا متزايدا إلى المشاهد الريفية، وكأنّ الرسامين كانوا يرومون تخليد مناظر طبيعية قبل أن يلتهمها المدّ العمراني.

ولكن تلك المشاهد لم تكن خالية من التوظيف السياسي، كما هو الشأن في لوحة رينولدز “الرماة” حيث وضع مفهوم البريّة في خدمة تمثل بطولي للطبقة الحاكمة في بريطانيا، بينما اتخذ آخرون الاستغلال السياسي والتجاري للأراضي الواقعة في ما وراء البحار منطلقا للتطوّر الفني، وقد خصّص جانب من المعرض لأعمال تسرد حضور المملكة البريطانية في الهند وفي البحر الكاريبي.

لم يشمل التطورُ الرسمَ الزيتي وحده، بل طال الرسم المائي أيضا، وقد خصّص أحد أجنحة المعرض لعدد من الفنانين أمثال هنري فوزلي، وجون مارتن، وفيليب جاك دو لوثربورغ، ووليم تورنر، وجون كونستيبل ممّن تميّزت أعمالهم بتصويرية سردية فتحت الباب أمام تصوّر جديد للفن يكون سندا للمخيال.

ويختتم المعرض بقسم مخصّص للفن التاريخي، الذي وضعته الأكاديمية الملكية للفنون في أول اهتماماتها، وأرادت ترويجه دون جدوى، لأن من سار على دربه قليل، منهم فوزلي في لوحة “حلم الراعي” التي استوحاها من القصيد الملحمي لجون ميلتون “الفردوس المفقود”، وكان قد جمع فيها الفولكلور الأنكلوساكسوني المسكون بالكائنات العجيبة والغريبة، أو تورنر في لوحة “تدمير سدوم” التي تعكس مخاوف مواطنيه من عدم استقرار بلادهم، ومخاطر غزو نابليوني.

ولم يسلم من ذلك المنحى حتى رينولدز نفسه مثل البورتريه الذي صوّر فيه الكونت فريديريك هوارد في هيئة تذكّر بتمثال أبولون البلفدير، الذي ينسب إلى النحات اليوناني ليوخاريس (القرن الرابع قبل الميلاد)، وإن أضاف إليه ما يناسب المقام، من جهة وضعيته المهيبة ولباسه الباذخ.

احتفى المعرض بالعلَمَين المؤسسين، وفتح المجال أيضا للتعريف باللاحقين، ليقدّم للزوّار ثلاثة وثلاثين رساما، لكل واحد منهم خصوصيته، استطاعوا أن يستقروا في الذاكرة الجمعية الإنكليزية، كرموز لذلك العصر الذهبي. ولئن تناول عدد منهم ثيمة محددة كالتاريخ أو الواقع بأبعاده الجغرافية، والبيت والأسرة، وأضفوا رؤية جديدة على الطفولة، فإن أساليبهم لم تكن دائما متماثلة، بل كان أغلبهم يمارس حريته بامتلاء.

تلك الحرية في مقاربة الواقع المحلي والخارجي كانت صورة لما عرفه المجتمع الإنكليزي في شتى المجالات الأخرى، يفسرها مارتن مايرون محافظ متحف “تايت بريتن” بقوله “إن حرية الفن البريطاني في تلك الفترة مثّلت رمزا لشكل خاص من الحرية قائم على اشتغال السوق الحرة”.

تصور جديد للفن الإنكليزي
تصور جديد للفن الإنكليزي

 

16