باريس تحتفي بالفنون الكونغولية عبر قرن من الزمن

تحتفي مؤسسة كارتييه للفن المعاصر بباريس بالفنون الأفريقية من خلال معرض عنوانه “جمال كونغو – كونغو كيتيكو” يتواصل حتى منتصف نوفمبر القادم، ويكتشف فيه الزائر ملامح من الإبداع الكونغولي في الفن التشكيلي والنحت والموسيقى والتصوير الشمسي من عشرينات القرن الماضي إلى اليوم.
الاثنين 2015/09/14
أعمال لا تخلو من الطرافة والسخرية والجدلية

يندرج معرض “جمال كونغو – كونغو كيتيكو” الذي ترعاه مؤسسة كارتييه للفن المعاصر بباريس ضمن سلسلة المعارض التي خصصتها المؤسسة للفن الكونغولي، مثل معارض بوديس إيزيك كينغليز عام 1999 و”فن شعبي” عام 2001، و”أحب شيري صامبا” عام 2004، وكذلك “حكايات للمشاهدة” عام 2012.

ومع ذلك فالمعرض الجديد يختلف عن كل ما سبقه برؤيته الشمولية التي مسحت ما يقارب قرنا من الزمان، أي منذ بدايات الحركة الفنية في كونغو كينشاسا عام 1926 حتى العام الحالي، وضمت مختلف التجارب الفنية في الرسم والنحت للقدامى والمحدثين، مع التركيز على الجانب الإبداعي الأصيل، الخارج عن المنظومة الأكاديمية.

والحق أن استكشاف تسعين سنة من تاريخ مفتت كانت البلاد خلاله خاضعة للاستعمار البلجيكي، ثم للانقلابات والعنف والاستبداد، يحمل رهانا كبيرا، لأنه لا يستطيع أن يغض الطرف عن دور البيض الأوروبيين، بلجيكيين وفرنسيين بخاصة، في مساندة الفنانين الأوائل ما بين 1920 و1940 سواء بتوفير المواد الخام التي يشتغلون عليها، أو بالتعريف بهم في المحافل الأوروبية.

كما أنه يواجه مشكلة توصيفه بكونه فولكلوريا أو ساذجا أو بدائيا من منظور أوروبي يعتبر نفسه مركز العالم، ويقيس الفن بمقياسه. والحال أن الأفارقة يقفون مذهولين أمام الفن التجريدي والسوريالي وسواهما من الفنون المعاصرة التي يرونها غير تعبيرية، فهم يناضلون من أجل فن يفهمه الجميع، وهو ما عبر عنه الفنان شيخ ليدي في لوحة سماها “ما فهمت”.

وبصرف النظر عن هذه المفارقات، يقف الزائر على ألوان بديعة تعبر عن قدرة عجيبة على الخلق والإبداع دون التنصل من الواقع بعجيبه وغريبه، وتسجيل الأحداث المحلية بأسلوب طريف، يعكس مواهب لا تنكَر. بداية من ألبير لوباكي وزوجته أنطوانيت أو دجيلاتندو، اللذين استوحيا بعض لوحاتهما من أنسجة كاساي وموتيفات كيبا، أو من واقع الحياة اليومية، واستلهما في بعضها الآخر مشاهد من عالم الحيوان والنبات، فخلقا بإمكانات محدودة روائع تنضح ببساطة محببة.

يليها فنانو مشغل السقيفة، وهو عبارة عن أكاديمية للفن الشعبي أسسها عام 1946 بلوبومباشي (إليزابيت فيل سابقا) البحّار بيير رومان ديفوسيه. في هذا المشغل مارس كل فنان هوايته بأسلوبه الخاص، فاستعمل موينزي كيبوانغا مثلا ملونا ترابيا لتصوير حشود بشرية، فيما اختار بيليبيلي مولونغوي عناصر الطبيعة بفيضها وثرائها لنقل واقع مخصوص.

أما موكي، رائد الفن الشعبي، فقد استغل أشياء عادية ليمنحها بعدا جماليا وتعبيريا، وخاصة لوحته التي تمثل زوج حذاء عكسري بجانب حذاء منعزل، وهو ما جعل النقاد يصفون فنه بالمستقبلي أو ما بعد الحداثي قبل الأوان، كذلك بوديس كينغليز وريغوبير نيمي في مدينة النجوم المتلألئة.

المعرض يواجه مشكلة توصيفه بكونه فولكلوريا أو ساذجا من منظور أوروبي يعتبر نفسه مركز العالم، ويقيس الفن بمقياسه

ولا تخلو الأعمال المعروضة من الطرافة والسخرية والجدلية، فشيخ ليدي ينتقد في أعماله الحمائية الغربية ودوافع المهاجرين في الوقت نفسه، ولا يتهيب انتقاد جمود المجتمع الكونغولي. ففي إحدى لوحاته، يظهر أربعة أشخاص جالسين إلى طاولة مفاوضات في وضع غير مريح ورؤوسهم تطن بعلامات استفهام ليس لها جواب.

ويبرز شيري صامبا وشيري شيران وجان بول ميكا كأبرز أعلام الفن الشعبي في ما صار يعرف اليوم بجمهورية الكونغو الديمقراطية، لم يستطع الجيل الجديد مسايرتهم من جهة القيمة الفنية ومن جهة الشهرة والانتشار، بعضهم لا يزال يتلمس طريقه وأسلوبه عبر تفجير الألوان، وبعضهم الآخر يمعن في الكولاج، ويحفل بشخصيات من أصول أفريقية كمثل الملاكم محمد علي كلاي والزعيمين نيلسن مانديلا وباراك أوباما، كأيقونات تعبر عن كرامة الإنسان الأسود ورموز للنهضة الأفريقية المنشودة.

كما هو الشأن في أعمال سامي بالوجي، الذي يعيش بين بروكسيل ولوبومباشي، حيث يعمد إلى المزاوجة بين الأرشيف والفوتو مونتاج.

والانطباع الذي يخرج به الزائر هو أن الأعمال المعروضة تعكس الحياة اليومية في جمهورية كونغو وتحتفي بالحياة بصورة عامة، برغم المحن والعنف، وأصحابها يمارسون حرية مطلقة دون تقيد بقواعد أكاديمية.

هذا المعرض يرجع الفضل فيه إلى أندريه مانيان الذي اكتشف الفنانين الكونغوليين بداية من عام 1987، حينما شرع في البحث عن ثقافات غير غربية لتقديمها في معرض “سحرة الأرض” الذي أقيم في باريس عام 1989.

كان مانيان يعلم بوجود فنانين شعبيين في كونغو كينشاسا منذ عام 1970 من خلال المتعاونين الفنيين والتجار الفرنسيين والبلجيكيين، ولكنه لم يقف إلاّ على تجارب محدودة لفنانين حالفهم الحظ في الحضور أوروبيا مثل شيري صامبا وموكي.

ثم قاده البحث إلى كينشاسا، حيث اكتشف مركزا ضخما بالغ التنوع، واختار فنانين ذوي مسارات مخصوصة متجنبا فناني أكاديمية الفنون الجميلة، لأنها، برغم ملامحها الأفريقية، تتشبه بالفنون الغربية.

وفي رأي مانيان إن الفنان لا يحوز مكانته في تاريخ الفن عن طريق مهارته وتقنيته بل عن طريق الابتكار، والفنانون الشعبيون يمارسون فنهم بمنتهى الحرية لا يخشون إدانة مظاهر التخلف في بلادهم كالفساد المستشري في صفوف الجيش.

16