باريس تحتفي بالفن الساذج وأعلامه المنبوذين

متحف مايول في باريس يعرض نحو مئة لوحة موزعة بحسب الثيمات، لفنانين عصاميين، ابتدعوا أساليبهم الخاصة دون المرور بأكاديمية أو الانخراط في تيار.
الاثنين 2019/10/07
مئة لوحة لم يسبق عرضها

يحتضن متحف مايول بالعاصمة الفرنسية باريس قرابة مئة لوحة لم يسبق عرضها، لمجموعة من الفنانين العصاميين الذين جددوا، ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين، الفن التشكيلي على طريقتهم، رغم أنهم كانوا ينتمون لما عرف بالفن الساذج.

يقترح متحف مايول بباريس معرضا بعنوان “الأعلام الساذجون، من الديواني روسو إلى سيرافين لويس”، ويخصّ ما تواضع النقاد على تسميته بالفن الساذج، من خلال نحو مئة لوحة موزعة بحسب الثيمات، لفنانين عصاميين، ابتدعوا أساليبهم الخاصة دون المرور بأكاديمية أو الانخراط في تيار.

هم فنانون عُرفوا بالسذّج، والبدائيين المعاصرين، والرسامين الأطفال، ورسامي يوم الأحد، وحتى أمّيّي الفنون التشكيلية، ذلك أنهم يتحدرون من أوساط فقيرة، ما اضطرهم إلى كسب عيشهم بمزاولة شتى الحرف والصنائع، فهنري روسو الملقب بالديواني كان مراقبا لمراكب السين، وسيرافين لويس كانت خادمة بيوت، وكميل بومبوا كان سائق مترو ثم مصارعا في مدن الملاهي، أما لويس فيفان، وروني رامبير فكانا موزّعَيْ بريد.

لم يتشكلوا في مجموعة كبقية المجموعات التي تلتقي حول رؤية فنية معينة، بل كانوا مشتتين، لا يجمعهم غير ميلهم إلى الرسم يوم الراحة الأسبوعية، وعدم مرورهم بمدرسة فنية. ولكن أغلبهم كان يأتي إلى مونمارتر في مناسبات تنظمها البلدية، فتتحوّل ساحة قسطنطين بيكور إلى ملتقى للفن الساذج.

وكان من بينهم من استطاع الوصول إلى أروقة الفنون، مثل لويس فيفان، وكاميل بومبوا، ولكن أغلبهم لم يستطع الوصول إلى صالون المستقلين، ولا إلى تجار الفن، فاكتفى بعرض لوحاته في معرض شعبي لعله يصادف تاجر أعمال فنية أو هاوي تشكيلات كالألماني ويلهم أوده الذي احتضن هنري روسو، وبدأ يمهّد الطريق لبروزه.

ولئن كان أغلبهم هاويا يكسب رزقه من عمل قارّ، فإن قلة منهم استطاعت أن تجد طريقا لتسويق لوحاتها وتعيش من ريعها، إما لأن تلك الأعمال وجدت من الهواة من يقبل عليها، وإما لأن هذا الفنان أو ذاك لقي التشجيع والدعم من بعض هواة جمع التشكيلات.

وما يميّز هذا الفن احتفاؤُه بالمواضيع الشعبية، وتقديمها في صيغة طفولية، حيث يعتني أصحابه بدقة التفاصيل وزخم الألوان، دون أن يهتموا بقواعد الأفق المنظوري التقليدية، ما يجعل أعمالهم خارجة عن المألوف. كل فنان له طابعه الخاص، وتقنياته، وشواغله، ولا يلتقون إلاّ في رغبة انتهاك القواعد السائدة، وابتكار لغتهم الفنية الخاصة.

كل فنان له طابعه الخاص، وتقنياته، وشواغله، ولا يلتقون إلا في رغبة انتهاك القواعد السائدة، وابتكار لغتهم الفنية الخاصة
كل فنان له طابعه الخاص، وتقنياته، وشواغله، ولا يلتقون إلا في رغبة انتهاك القواعد السائدة، وابتكار لغتهم الفنية الخاصة

فكيف استطاع الفن أن يتسرب إلى حياة أولئك البسطاء؟ ذلك ما أبعدهم عن كتب تاريخ الفن زمنا طويلا، وذلك أيضا ما ساهم في بناء صورة عنهم في المخيال الجمعي كشخصيات روائية. فهنري روسو مثلا، عندما بدأ الرسم في سبعينات القرن التاسع عشر، كان يزعم أن الأرواح تسيّر فرشاته.

أما سيرافين لويس فكانت تدّعي أن العذراء نفسها هي التي أمرتها بالرسم، ولم يكن أمامها إلاّ الطاعة، وكانت تعتقد أنها محاطة بخيالات وأصوات تحت رعاية ملاكها الحارس.

قوبل هنري روسو بالرفض في الصالون الرسمي، ولكنه توصّل إلى صالون المستقلين بداية من عام 1886، قبل أن يجلب أنظار الطلائعيين، من تكعيبيين وتوحشيين وحتى تجريديين، ولكن مع قدر كبير من الاستهزاء، حتى أن الشاعر غيوم أبولينير

كتب يقول “قليلون هم الفنانون الذين قوبلوا بما قوبل به الديواني من سخرية، وقليلون هم الذين واجهوا مثله في هدوء السخرية التي كانت تستهدفه”.

ذلك أن روسو كان يستمد قوته من ذاته، فيرسم نفسه والسّعفاتُ الأكاديمية في عروة سترته، كتوسيم للصفة التي أطلقها إليه مازحا صديقه المسرحي ألفريد جاري، فالتصقت به حتى صار لا يعرف إلا بها، أي الديواني.

أما سيرافين لويس فقد بدأت الرسم عام 1906، بعد عناء العمل في غرفتها حيث اعتادت منذ صغرها العمل خادمة في بيوت بعض العائلات البورجوازية، في باريس ثم في مدينة سنليس. وكانت قد اعتادت تزيين تلك البيوت بلوحاتها، إلى أن اهتدى إليها الألماني فيلهم أوده، عند استقراره بسنليس عام 1912.

 غير أنه اضطر إلى مغادرة فرنسا عند نشوب الحرب الكونية الأولى، ولم يتصل بها ثانية إلاّ عام 1927، فساعدها ماليا إلى أن نقلت إلى إحدى المصحات النفسية، وتوقفت عن الرسم، ولم ترسم شيئا حتى وفاتها عام 1932. ولعل اكتشاف أوده هو الذي ساهم في تبوُّؤِ هذين الفنانين مكانة خاصة في هذا الفن الذي كان الناقد الألماني يرفض وصفه بالساذج، إذ أطلق على ممارسيه اسم “فناني القلب المقدس” في معرض أقامه لروسو ومن معه عام 1928، ثم “البدائيين المعاصرين” في معرض جمع هنري روسو وسيرافين لويس. ورغم ذلك، لم يعترف تاريخ الفن بإضافة الفنانين “الساذجين” إلى الحداثة إلاّ في مرحلة لاحقة، حينما بدأ الفنانون الكبار يستلهمون من أولئك العصاميين رؤيتهم وتقنياتهم.

يقول لويس أراغون “ساذج من يعتبر أن هذا الفن ساذج”، فهو فن يحمل دهشة أمام الواقع، تكاد تكون طفولية، ولم يلبث أن بسط رؤيته وتقنياته على الفن التشكيلي خلال القرن العشرين.

16