باريس تحتفي ببيرت موريزو أيقونة الانطباعية المنسية

لوحات بيرت موريزو تميزت بميلها إلى تضييق الأطر للتأكيد على الطابع الحميم الذي يخيّم على مشاهدها الداخلية.
الاثنين 2019/07/29
فن أقرب إلى التلميح

من المفاجآت المذهلة معرض يقيمه متحف “كي دورسي” بالعاصمة الفرنسية باريس هذه الأيام، لفنانة اسمها بيرت موريزو كانت من رواد الحركة الانطباعية، ولم يشفع لها انتماؤها إلى حلقة المؤسسين الأوائل ولا قيمة الأعمال التي أنجزتها في تلك الفترة من تسجيل حضورها المستحق في تاريخ الفن.

عند الحديث عن الانطباعية تحضر في الغالب أسماء كلود موني، وبيير أوغست رونوار، وبول سيزان وإدغار دوغا، وكميل بيزارو، وألفريد سيسلي، وغوستاف كايبوت، وجان لوي فوران، وجورج سورا، كأعضاء مؤسسين لمجموعة الانطباعيين، ولا أثر لامرأة، رغم أن بيرت موريزو (1841-1895) كانت هي أيضا، إلى جانب الأميركية ماري كاسّات (1844-1926)، من الأعضاء المؤسسين الذين شاركوا الانطباعيين حساسيتهم الفنية، ومعارضهم التي دشنوها عام 1874، ولكنها لم تنل ما ناله زملاؤها من اعتراف لأسباب خارجة عن الفن، وهو ما سعى متحف “كي دورسي” الباريسي إلى تداركه، لرفع الغبن الذي لقيته، وتعريف الجمهور العريض برائدة من رواد الانطباعية، شاءت لها أعراف المجتمع في ذلك الوقت أن تبقى في الظل، حتى أن بعض مؤرخي الفن روجوا عنها أنها مجرد هاوية تزجي أوقات فراغها بالرسم رفقة أختها.

ذلك أن بيرت موريزو نشأت في أسرة بورجوازية تهوى الفن، وكانت والدتها تخصص أستاذا يعلّم بنتيها بيرت وإيدما الرسم، وترسلهما إلى متحف اللوفر لنسخ بعض اللوحات المعروضة، والالتقاء بطلاب مدرسة الفنون الجميلة، التي كانت لا تقبل الفتيات في فصولها، وظلت أبوابها موصدة في وجوههنّ حتى مطلع القرن العشرين.

هناك تعرفت بيرت على فانتان لاتور، وكارولوس دوران، وستيفنس، فصارت تدعوهم كل ثلاثاء إلى بيت الأسرة، وكان يتردّد عليه أيضا جان باتيست كميل كورو الذي سمح للأختين بالعمل إلى جانبه في مرسمه بفيل دافري. وبذلك أمكن لهما عرض أعمالهما في “الصالون” بداية من 1864.

علاقة حسية باللون تكاد تكون شبقية
علاقة حسية باللون تكاد تكون شبقية

بيد أن الفنانين كانوا ينظرون إليهما كامرأتين لا تصلحان لغير الزواج، فقد كتب إدوار ماني إلى صديقه هنري فانتان لاتور عام 1868، بخصوص هاتين الأختين اللتين تمارسان الرسم، هذه الكلمات التي تنبئ عن الموقف العام الذي كانت تقابل به كل امرأة تجعل الرسم حرفة “أنا على رأيك، الآنستان جميلتان. من المؤسف أنهما ليستا رجلين، ورغم ذلك يمكن أن تقدما، كامرأتين، خدمة جليلة للفن، بأن تتزوج كل واحدة منها أكاديميا”.

اختارت بيرت موريزو منذ بلوغها سن العشرين الاستقلالية وسرعان ما فرضت نفسها كفنانة محترفة، رغم أن وسطها الميسور كان يمكن أن يقيها الحاجة، ويضمن لها زيجة محترمة. وهي التي كتبت في عام 1971 “لن أحصل على استقلاليتي إلاّ بالعمل المتواصل والتفتح على كل جديد”. وكانت تطمح منذ البداية إلى تثوير الفن التشكيلي، تعمل في معظم أوقاتها في الهواء الطلق، شأن سائر الانطباعيين، حتى تتمثل الطبيعة في لوحاتها كأحسن ما يكون التمثل، وتشفع ذلك برسم الحياة الداخلية لشخصياتها.

ومنذ العام 1860، أحاطت نفسها بثلة من الفنانين المجددين أمثال إدوار ماني (الذي لم يشارك في أي معرض من المعارض الثمانية التي أقامتها مجموعة الانطباعيين) وإدغار دوغا، وبيير بوفي دوشافان، وحتى بعض رجال السياسة كجول فيري، دون أن تتخلى عن مشاغلها الأنثوية التي كانت تُسقطها على شخصياتها، لتبرز حساسية جديدة قريبة من أجواء الحلم.

ولم يمض وقت طويل حتى بدأت تعرض أعمالها في “الصالون” الرسمي، قبل أن تشارك عام 1874 في أول معرض ينظمه الانطباعيون، بلوحتها الشهيرة “المهد”، إلى جانب “لعبة الغمّيضة” اللتين يمكن اكتشافهما في المعرض الباريسي الذي يضم ثلاثا وسبعين لوحة.

حساسية قريبة من أجواء الحلم
حساسية قريبة من أجواء الحلم

وخلافا لانطباعية أخرى تدعى إيفا غونزاليز (1849-1883) اعتادت أن تستلهم لوحاتها من إدوار ماني، كانت بيرت موريزو تهتم بتنويعات الضوء، والعمل في الهواء الطلق، وإقامة علاقة حسية باللون تكاد تكون شبقية. ولكنها حرصت على فرض أسلوبها الخاص، فابتدعت ما سمي بـ”ما لم ينته”، حتى أن بعض النقاد أطلق عليها “ملاك اللامكتمل”، فقد برعت عبر لوحاتها المتتالية في تحقيق فن التلميح، وهو غاية ما يطمح إليه الانطباعيون.

والتحديث بالنسبة إليها ليس في تخيّر ثيماتها، بل في طريقتها في الإخراج والتأطير، فشخصيات لوحاتها تبدو دائما قرب نافذة، أو في شرفة، أو تحت بلكونة، في فضاءات تقع بين الداخل والخارج وتوحي بأجواء شاعرية أقرب إلى الحلم. كما تميزت لوحاتها أيضا بميلها إلى تضييق الأطر للتأكيد على الطابع الحميم الذي يخيم على مشاهدها الداخلية. كل ذلك حقق لها حضورا لافتا، حتى أن الصحافي بول مانتز كتب يقول عام 1877 “لا يوجد في المجموعة الثورية كلها سوى انطباعي واحد. إنه السيدة بيرت موريزو”.

لقد كانت بيرت موريزو في تلك الحقبة من الوجوه الفنية البارزة، وحتى بعد أن تزوجت أوجين ماني -أخا إدوار- ظل بيتها الفاخر بباريس قبلة أعلام الفن والأدب في ذلك الوقت. بيد أنها لسوء حظها، مرقت كالسهم، أو كبرق خلّب، كتلميح انطباعي، إذ توفيت في الرابعة والخمسين، ولم تحظ باعتراف يليق بقيمة فنها إلاّ الآن، من خلال هذا المعرض الباريسي.

16