باريس تحتفي بعالم الحيوان من خلال معرض جمالي سمعي وبصري

منذ بداية شهر يوليو إلى مطلع العام القادم 2017، تحتضن مؤسسة كارتييه بباريس معرضا فريدا عنوانه “الأوركسترا الكبرى للحيوانات”، مستوحى من أعمال الأميركي بيرني كراوز، الموسيقي وملتقط الأصوات الطبيعية، وهو معرض يجمع فنانين من مختلف أنحاء العالم، ويدعو الجمهور إلى تأمل جمالي، سمعي وبصري، في عالم الحيوان الذي يشهد تهديدات ما انفكت تتزايد.
الاثنين 2016/08/08
فنانو العالم ينطقون الحيوان رسما

طوال خمسين عاما تقريبا، جمع الأميركي بيرني كراوز نحو خمسة آلاف ساعة تسجيل صوتيّ لسكان الطبيعة الوحشية، أرضية كانت أو بحرية، أين يعيش أكثر من خمسة عشر ألف نوع من الحيوانات.

وقبل أن يولَع كراوز بتسجيل أصوات الحيوانات البعيدة عن عالم البشر، اشتغل في الستينات والسبعينات كملحن ومتخصص في علم السمعيات بلوس أنجلس، وساهم في وضع الموسيقى التصويرية لأفلام مثل “روزماري بيبي” لرومان بولانسكي و”القيامة الآن” لفرنسيس فورد كوبولا.

وتعتبر مقاربة بيرني كراوز فريدة من نوعها، فهو يتأمل العالم الطبيعي كشاعر، وينصت إلى أنغام الحيوانات كموسيقي، ثم يعمد عبر تسجيلاته إلى دراستها كعالِم، وبذلك أمكن له أن يكشف عن الجمال والتنوع والتعقيد في لغة الحيوانات الوحشية، التي ما فتئت تتردى إلى صمت يفرضه صخب النشاط الإنساني، وكأنه يريد من البشر أن يُصغوا إلى أصوات عالم غير بشري قبل أن يُطبِق عليها الصمت نهائيّا.

ينبني معرض بيرني كراوز “الأوركسترا الكبرى للحيوانات” الذي تحتضنه حاليا مؤسسة كارتييه بباريس على عنصرين، أحدهما بصريّ، والثاني سمعيّ. يبدأ البصريّ من السينوغرافيا التي استنبطها المهندسان المكسيكيان موريسيو روشا وغابرييلا كاريللو، عبر قطع من الطابوق تصل الحديقة بالفضاءات لمؤسسة كارتييه، في إبداع هندسي يحيل على الأوركسترا السيمفونية.

كما يقترح المعرض في الواجهة رسما بطول 18 مترا أعدّه الفنان الصيني كاي غوو-كيانغ خصيصا، ويمثل حيوانات من كل الأنواع مجتمعة حول نبع ماء، في لحظة سِلم قد لا تدوم، أنجزه على طريقة رسوم كهوف العصور القديمة، وكذلك صورا فوتوغرافية للياباني مانابو ميازاكي لم يسبق عرضها من قبل، تظهر حيوانات وحشية تشارك البيئة التي يعيش فيها الإنسان وتنتهج المسالك التي ينتهجها.

أما الفنانة البرازيلية أدريانا فاريخاو، فقد ساهمت بجدار من الخزف، رسمت عليه طيور غابة الأمازون، يصل حديقة داخل المبنى بالمعرض، وأما لوحات البنيني سيبريان توكوداغبا والكونغوليين بيير بودو وموك وجان بول ميكا، فقد وضعت في حوار مع عصافير من غينيا الجديدة بديعة الألوان تعرف بعصافير الجنة، قام بتصويرها باحثون من مختبر الأورنيتولوجيا (علم الطيور) في إيثاكا بالولايات المتحدة مثلما وضعت قربها صور عصافير بالأسود والأبيض للياباني هيروشي سوجيموتو.

وأما السمعيّ، الذي يمثل الجزء الثاني من المعرض، فيتجلى في جمالية مبهرة للعالم الحيّ، لا تسمع إلاّ عبر الوسائل التكنولوجية كالميكروفون والمجهر، وقد وضعت الجمعية الإنكليزية “الفنانون البصريون المتحدون” جهاز ترجمة بصرية لمشاهد كراوز الصوتية، وهو جهاز إلكتروني ثلاثي الأبعاد تمّ إعداده خصيصا للمعرض، يحول إلى جزيئات ضوئية معطيات التسجيلات الصوتية، ليبرز جمال البيئات المقدَّمة وتنوّع الأصوات الحيوانية وتميز بعضها عن بعض.

بيرني كراوز يتأمل العالم الطبيعي كشاعر وينصت إلى أنغام الحيوانات كموسيقي، ثم يعمد عبر تسجيلاته إلى دراستها كعالم

ولوحظ من خلال تجربة كراوز أن أصوات الحيوان التي يحسبها البشر مجرد ضجيج قادم من الأدغال والمحيطات، إنما هي أصوات جوق أركسترالي تصدر بإحكام، وتخضع لتوزيع موسيقي أكثر تعقيدا، حيث يملك كل نوع بصمته السمعية الخاصة في إطار البانوراما الصوتية لنظامه البيئي.

يقول بيرني كراوز “كل نوع قارّ يكتسب عرضا مخصوصا على الشريط السمعي يسمح له بالاختلاط مع الآخرين أو بخلق تباين، على طريقة الكمنجات والآلات النحاسية أو الخشبية أو آلات ضبط الإيقاع، لتحديد منطقتها السمعية في نوع من التنسيق المعَدّ للأوركسترا”.

يذكّر بيرني كراوز بأن الحيوانات هي التي وهبتنا الموسيقى، ويحاول من خلال بحوثه أن يحسس البشر بضرورة الاعتماد على الصونوغرام (آلة قياس الصوت قياسا تخطيطيا) لفهم لغة عالم الأحياء التي لم تبق سوى القبائل البدائية لفكّ رموزها. ومن بين تلك البحوث سبعة مشاهد سمعية كان سجلها في كندا والولايات المتحدة والبرازيل وجمهورية أفريقيا الوسطى وزيمبابوي وفي أعماق المحيطات، وجمعها في شريط أخرجه ريمون دوباردون وكلودين نوغاريه.

وفي قاعة أخرى، يدعى الزوار إلى استكشاف أكثر الأبعاد غير المعروفة عن عالم الحيوان، عن طريق الغوص في الجمال متناهي الصغر للمحيط واستقصاء العوالق، من صغار الحيوانات المائية أو النباتات، في شريط بعنوان “أصول الحياة”.

وانطلاقا من صور لكريستيان سارديه، مدير البحوث في المركز الوطني للبحوث العلمية، ومن عُدّة ابتكرها الملحن الياباني رويشي ساكاموتو، تتبدى للناظر الجسيمات الدقيقة، التي لا تُرى بالعين المجردة، وهي حاضرة في شتى المحيطات، وتشكل أكبر قدر من الكتلة الإحيائية البحرية في كوكبنا.

ومع ذلك، فأهم ما تبيّنه المشاهد الصوتية ومناظر الجسيمات تحت البحر هو أن التنوع الحيوي للأرض يسير نحو الزوال، إذ أن تعدد الأصوات في الأركسترا الكبرى للحيوانات يقلّ ويخفت شيئا فشيئا في الأماكن البعيدة من البراري والبحار، وقد أصمّها الزحف الخطير لصخب البشر. وبصرف النظر عن الجماليات التي يقترحها المعرض، تبدو الرسالة الأساس هي الدعوة إلى الحفاظ على البيئة، من خلال الحفاظ على تلك الجماليات الطبيعية المنتشرة في كل مكان من الكون.

16