باريس تستعرض أثر الفن الأفريقي في حركة دادا

يقام في متحف أورنجري بباريس معرض متعدد الاختصاص، يضع أعمال الدادائيين وجها لوجه مع آثار فنية من خارج أوروبا، كالفنون الهندية الأميركية والآسيوية والأفريقية بوجه خاص، للوقوف على مدى تأثر حركة دادا على مدى عمرها القصير بفنون كانت توصف بالبدائية، كردّ فعل على ترهّل القيم الغربية التقليدية.
الاثنين 2017/10/02
تعبير إنساني في مكان ما من العالم

احتفلت هذا العام مدن كثيرة في العالم، لا سيما مدينة زوريخ السويسرية، بمرور قرن على ظهور الحركة الدادائية، وأقيمت معارض للتذكير بظروف انبعاث تلك الحركة المتمردة ومصادر إلهام رموزها أمثال تريستان تزارا وهوغو بول وفرنسيس بيكابيا ومارسيل جانكو وحنّا هوش، الذين استلهموا من الفن الأفريقي بخاصة أشياء كثيرة.

والمعروف أن دادا أبدت منذ انطلاقتها موقفا ساخرا من الحضارة الأوروبية التي تنسب إلى نفسها إرث عصر الأنوار، والحال أنها انخرطت في مجزرة فظيعة هي الحرب العالمية الأولى، وقد رأت النور على أيدي بضعة مثقفين لجؤوا إلى سويسرا هربا من تلك الحرب المدمرة، وأجمعوا رأيهم على نقد تلك الحضارة نقدا لاذعا.

وكانت غاية هذه الحركة الرجوع إلى الفنون البدائية لـ”قتل فن أوروبا المتحضر”، وقد تجلت تعبيراتها الأولى عبرَ “سهرات زنجية” في كباريه فولتير بزوريخ، يستحضر فيها ألوان الفن البدائي، الأفريقي بخاصة، من موسيقى وأشعار ورقص وأقنعة، ثم راجت في أنحاء أوروبا كحركة متمردة على كل القيم الأيديولوجية والجمالية والسياسية السائدة في ذلك الوقت، وشملت المسرح والسينما والأدب والفكر.

وقد كانت ضد كل شيء، ما جعل النقاد ينزلونها في خانة النضال الراديكالي، والحال أنها كانت تبحث عن حرية التعبير، وتخطي حدودها القصوى باستعمال كل الوسائل الممكنة، غايتها الاستفزاز لا محالة، ولكن لحمل المتلقي على التفكير في الأسس التي يقوم عليه المجتمع. والطريف أن الحركة ظهرت قبل أن تحمل الاسم الذي صارت تعرف به، فمولدها الحق يرجع إلى بيان أدبيكان حرره هوغو بول وريتشارد هويلسنبيك في فبراير 1915 ببرلين، وهما فنانان ينتميان إلى “السلبية”، كنظام فلسفي وأخلاقي رافض لكل حقيقة ومعتقد.

وأكّدا في ذلك البيان “لسنا من الغباء حتى نؤمن بالتقدم، نحن لا نهتم إلاّ بالحاضر، نريد أن نكون مقوضين لكل قائم، معارضَين لكل المفاهيم.. نريد إلغاء الرغبة في كل أشكال الجمال، والثقافة، والشعر، والذوق والاشتراكية والغيرية”.

أما التسمية فقد جاءت بعد عام عن طريق الصدفة، حين فتح تريستان تزارا معجم لاروس ذات ليلة في زوريخ بحثا عن لفظة سهلة النطق بكل اللغات، فعثر على لفظة دادا (ومعناها جَواد في لغة الأطفال، أو فكرة راسخة)، ومنذ تلك السهرة، صارت الحركة تعرف باسم “دادا” إذ كان أتباعها يرفضون إضافة “ئيّة” isme التي تستعمل في العادة لتشكيل اسم يوافق عقيدة أو نظرية أو مذهبا أو أيديولوجيا، ولم تعرف بالدادائية إلاّ لاحقا.

ولم تعمّر الحركة طويلا، فقد انشق عنها هويلسبيك وعاد إلى برلين ليشكل مع جورج غروز وماكس إرنست مجموعة أخذت على عاتقها مقاومة الانطباعية والفن التجريدي ونشر فكر دادا عبر المدن الألمانية، أما جماعة زوريخ بقيادة بيكابيا فقد واصلت نشاطها في كباريه فولتير، من نفس المنظور الفني، وأما تزارا فقد اختار العودة إلى باريس ليعطي الحركة دفعا جديدا، واستطاع أن يجمع حوله ثلة من الفنانين والأدباء أمثال مارسيل دوشامب وأندري بروتون وألفيريد جاري، ثم ظهرت خلافات حادة أدت إلى انفصال بروتون ونشره عام 1924 بيانا يؤسس للحركة السريالية، فانضم إليه فيليب سوبو ودوشامب وروبير دينو وبول إلوار وبنجامان بيريه، وبذلك قامت السريالية على أنقاض الدادائية.

والمعرض الذي يقام في متحف أورنجري الباريسي الآن يذكر بكل ذلك، ولكنه يركز على جانب اهتمام تلك الحركة بالفنون غير الأوروبية، الأفريقية بخاصة، واستلهامها عناصرها المميزة، وهو ما عبّر عنه تزارا منذ عام 1917 بقوله “لننهل الضوء من الأسود”.

وقد مُزجت اللوحات والمنحوتات والملصقات والصور التي أنتجها تريستان تزارا وهوغو بول وحنّا هوش وسوفي تاوبر وراوول هوسمان وفرنسيس بيكابيا وحتى الأميركي مان راي، بأعمال فنية أفريقية كمنحوتة قبائل الهمبا، وقناع قبائل ماكوندي، وآسيوية مثل بعض الأقنعة اليابانية، ومقدمة سفينة حربية لقبائل الماوري، في سينوغرافيا توحي بأوجه التشابه والتماثل مع منحوتات ومنسوجات لم يكن يعتني بها من قبل غير علماء الأنتروبولوجيا، مع التركيز على الحقبة الفرنسية التي تميزت بوجود سابق لنماذج كثيرة من تلك الآثار سوف ينهل منها الدادائيون ثم السرياليون والتكعيبيون.

وهذا يؤكد ما كان كتبه بلاشير عن وجود نزعة لدى الكتّاب والفنانين الأوروبيين لاكتشاف الآخر، بعيدا عن الخلفيات العنصرية، والنظر إلى إنجازاته لا كأعمال بدائية، بل كتعبير إنساني في مكان من العالم، يمكن استلهام مفرداته لتطوير تجاربهم الخاصة، ولما كان الفن لدى دادا شكلا مشتركا بين كافة البشر، ونشاطا شعريا تمتزج فيه جذوره العميقة بالبنية البدائية للحياة العاطفية، فقد رأت أن تطبق تلك النظرية، وتصل الفن الزنجي بالحياة الذهنية في تعبيرها الآني لتضعه في مستوى الإنسان المعاصر.

16