باريس تستعيد أشهر صور الثورة الطلابية في 68

المعرض يسلط الضوء على الصور التي تم إغفالها عمدا في الصحف والمجلات حينها، خصوصا تلك التي تحوي العنف الذي مارسته الشرطة.
الأحد 2018/04/22
عدسة جيل كارون التقطت ما عملت الشرطة على تجنبه وإخفائه

تشهد العديد من المدن الفرنسيّة حاليا احتجاجات طلابيّة عارمة، إثر قانون فيدال الجديد، نسبة إلى وزير التعليم العالي فرنسوا فيدال، والذي يمنح الجامعات الحق بتحديد من سيتم قبوله في الجامعة، بعد إنهاء الشهادة الثانويّة، ما يتناقض مع مبدأ تساوي الفرص في الحصول على التعليم، وقد يؤدي إلى ترك الكثيرين خارج المؤسسة التعليميّة. احتجاجا على ذلك، قام الطلاب في العديد من الجامعات الفرنسية، باحتلال مباني الكليات المختلفة، وإغلاقها، وتعطيل سيرها، ووسمها بالشعارات المناهضة للقانون السابق، وللتميز بين الطلاب.

 ومؤخرا، انضم المعهد العالي للعلوم السياسية في باريس للحركة الاحتجاجيّة، بالرغم من انتقائيته العالية للطلاب، وتخريجه لأشهر السياسيين في فرنسا، كالرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون.

الأحداث السابقة تشابه قليلا تلك التي شهدتها فرنسا منذ خمسين عاما. ففي 1968 اشتعلت باريس بالاحتجاجات، واحتل الطلاب الجامعات، جاعلين منها مساحات للنقاش السياسي والفكري، وفي هذه المناسبة، تقيم المكتبة الوطنيّة في باريس معرضا باسم “أيقونات أيار 68- الصور تحمل تاريخا”، والذي يَهدفُ لتحليل التاريخ البصريّ لتلك الفترة، والتغطية الإعلاميّة لها، ودور محرري الصحف والمجلات منذ ذلك الوقت حتى الآن، في تكريس صور محددة، تحولت إلى أيقونات وطنيّة في فرنسا. إذ نشاهد أكثر من 200 وثيقة بصريّة، أصبحت بعضها، إثر سنوات من إعادة الطباعة والنشر، رُموزا تاريخيّة، ذات معان متغيرة، تختلف بحسب السياسة الإعلاميّة لكل وسيلة إعلام تستخدمها.

يسعى المعرض للإجابة عن التساؤلات المرتبطة باستخدام التصوير الصحافي في تلك الفترة، إذ نقرأ شهادات ونصوص المحررين، كما نشاهد السياقات المختلفة التي استخدمت فيها الصور، والحكايات التي ترويها. إذ نتتبع مثلا، تاريخ إحدى أهم أيقونات تلك الفترة، والتي تحوي أشهر ناشطي الحراك الطلابي حينها، دانيل كوهين بيندين، الذي تُعتبر صورته رمزا لمواجه السلطة، إذ نراه بين الحشود، أمام باب جامعة السوربون، مبتسما بوجه شرطة مكافحة الشغب.

صور تعكس روح الـ68 الشابة
صور تعكس روح الـ68 الشابة

الصورة السابقة التي التقطها المصور الشهير جيل كارون، تعكس روح الـ68 الشابة، لكنها حقيقة، لم تكتسب شهرة واسعة، إلا في الذكرى العاشرة لربيع 68 في باريس، بوصفها رمزا للروح الثورية الطلابيّة.

نشاهد في المعرض أيضا، أيقونة أخرى تعود لتلك الفترة، وهي صورة أطلقت عليها الصحف اسم “ماريان الـ68” ، والتي التقطها جان بيير راي قرب حديقة اللوكسمبورغ في باريس، التي تحولت إثرها كارولين دو بانديرن، المحمولة على كتف حبيبها، إلى رمز فرنسي، يشابه ماريان التي نرى صورتها في مختلف الوثائق الوطنية في فرنسا، كما أن بعض الصحافيين حينها، رأوها شبيهة بلوحة “الحرية تقود الشعب” ليوجين دو لا كروا.

الصورة السابقة التي نشرت لأول مرة بحجم صغير في مجلة باريس ماتش، خضعت كوادرها للعديد من عمليات التعديل لتظهر بالشكل الذي نعرفه، كما أن سياسات التحرير الصحافيّ، نزعت عنها سياقها الاحتجاجيّ، وحولتها إلى رمز للجمهوريّة، والسلطة التي كان الحراك بالأصل ضدها، فالسياسات الصحافيّة قادرة على تغيير دلالات الصورة وتكريس الحكايات التي تراها مناسبة سياسيا، بحيث يتلاشى السياق التاريخيّ، لتنتصر السياسات الإعلاميّة.

المثيرُ للاهتمام، أن هذه الصورة أثارت جدلا قانونيا، إذ قامت كارولين برفع دعوى على المصور في الذكرى الثانية لربيع 68، ورفعت بعدها دعوتين جديدتين عامي 88 و98، إلا أنها خسرتها كلها، مُشعلة الجدل حول حق تداول الصور الشخصيّة واستخدامها وتكريسها، فكارولين أصبحت مقرونة برمز للجمهوريّة والسيادة الوطنيّة، وهذا ما يتناقض مع نشاطها في تلك الفترة.

يسلط المعرض الضوء على  الصور التي تم إغفالها عمدا في الصحف والمجلات حينها، خصوصا تلك التي تحوي العنف الذي مارسته الشرطة، إذ نقرأ عن فشل جهود الناشطين لجعلها متداولة في الصحف، واضطرارهم لإقامة معارض هامشية في باريس لإتاحتها للعلن. كما تُطرح التساؤلات عن سبب غياب صور أيقونيّة من ليلة الحواجز، في العاشر من مايو عام 68، التي شهدت أعمال عنف ومواجهات بين الشرطة والناشطين. إذ يرى البعض أن الظروف الخطرة وصعوبة التصوير، كانت سببا لعدم وجود صور شهيرة، كما أن المواجهات حدثت ليلا، ما لم يسمح بأن توجد صورة صحافية صالحة لأن تكون أيقونة.

السؤال الأهم الذي يطرحه المعرض مرتبط بالألوان، فأغلب الصور الأيقونية عن تلك الفترة كانت بالأبيض والأسود، ويفسر البعض ذلك، بأن الصور الملونة كانت نادرة وغير صالحة للنشر، كما أن تقنية التلوين حينها كان لها أثر فيزيائي على عمر الصورة، إلى جانب الإضرابات التي كانت تشهدها تلك الفترة والتي عطلت عمل المطابع وأوقفت نشاط الفنيين.

11