باريس تطوّق المتطرفين بتشديد قوانين مكافحة الإرهاب

الخميس 2015/03/19
أجهزة الأمن الفرنسية تضرب بقبضة من حديد الشبكات الإرهابية

باريس - تستعد فرنسا لدخول مرحلة غير مسبوقة على المستوى القانوني والتشريعي لدعم جهودها لمكافحة الإرهاب، وذلك باعتماد قانون أو هيكل تشريعي جديد يحكم عمل المخابرات الفرنسية على الصعيدين الداخلي والخارجي، يتجاوز الكثير من النقائص التي تميز عمل هذه الأجهزة ولاسيما بعد التشدد الفرنسي التقليدي في هذا المجال.

تعرض الحكومة الفرنسية برئاسة إيمانويل فالس اليوم الخميس مشروع قانون جديد يعزز الوسائل المتاحة لأجهزة الاستخبارات للتصدي للمخاطر الجهادية، ولو أدى ذلك إلى فرض قيود على الحريات الفردية في بلد لا يزال تحت صدمة هجمات يناير الإرهابية.

وتأمل الحكومة في التصويت على القانون الصيف القادم وذلك في خطوة “جريئة” لم تعهدها البلاد منذ ظهور آفة الإرهاب بقوة مع تنظيم الدولة الإسلامية الأصولي في الشرق الأوسط في يونيو الماضي.

وقد أوضح مكتب رئيس الوزراء أن “فرنسا هي إحدى الديمقراطيات الغربية الأخيرة التي لا تملك إطارا قانونيا متماسكا ومتكاملا” يضبط عمل أجهزة الاستخبارات الستة.

وأشار البيان إلى أنه “على إثر اعتداءات يناير التي أوقعت 17 قتيلا في فرنسا، بات من الضروري سن قوانين من أجل وضع إطار لعمل أجهزة مكافحة الإرهاب ومنحها الوسائل المناسبة للتصدي للتهديد الجهادي”.

يأتي ذلك بعد يوم من إغلاق السلطات خمسة مواقع إلكترونية تحرض على الإرهاب في سابقة أولى على التراب الفرنسي منذ تبني البرلمان قانون مكافحة الإرهاب في نوفمبر الماضي وينص على منع أشخاص يُشتبه في سعيهم إلى السفر إلى سوريا والعراق للإنضمام إلى التنظيمات المتطرفة من مغادرة الأراضي الفرنسية.

وإلى الآن، يحرم القانون الفرنسي أجهزة المخابرات المختلفة من اللجوء تلقائيا إلى إجراءات وآليات عمل معتمدة من قبل أجهزة الأمن العادية مثل الشرطة الجنائية، التي تلجأ بشكل آلي إلى مراقبة الاتصالات الهاتفية وزراعة الميكروفونات للتنصت والتجسس ومتابعة الأشخاص عبر نظام “جي بي آس”، وغيرها من الطرق التي أثبتت فعاليتها في رصد ومكافحة الجرائم والوقاية منها قبل حتى حدوثها.

71 بالمئة من الفرنسيين يؤيدون التنصت على الاتصالات دون إذن قضائي مسبق

وتقر حكومة فالس في هذا السياق بأن هنالك ثغرات في كافة أجهزة الأمن ولا بد من العمل على تفعيل قانون الإرهاب بجدية أكبر للسيطرة على هذا المد الإرهابي الذي بات يهدد كل أوروبا.

ويقول مستشارو الوزارات المعنية (الداخلية والعدل والدفاع) إن مشروع القانون يهدف إلى منح الأجهزة الوسائل المناسبة في مواجهة التقنيات الجديدة وإدراجها ضمن “إطار قانوني” ما، كان يتم خارج مراقبة القضاء وخارج أي إطار بصورة عامة.

ويرى مراقبون أن القانون الجديد سيساعد بشكل أكبر كافة الأجهزة الأمنية على تعقب المتطرفين وذلك في سياق الإجراءات التي أقرت قبل أسابيع وبدأت في تنفيذها من بينها سحب جوازات السفر المشتبه في ارتباطهم بالتنظيمات الإرهابية.

وسيسمح القانون لأجهزة الاستخبارات باختراق شبكات الإرهابيين المحتملين ومراقبتهم من خلال مذكرات إدارية دون الموافقة المسبقة من السلطة القضائية، في تحول نوعي لباريس في مكافحتها للمتطرفين.

كما سيكون بالإمكان، بعد المصادقة عليه في الجمعية العامة (البرلمان)، القيام بعمليات اعتراض أمني لمحتوى الرسائل الإلكترونية والاتصالات الهاتفية ولكن فقط إذا كانت على ارتباط مباشر بالتحقيق.

وينص القانون على “اللجوء إلى أجهزة لتسجيل كلام أشخاص وصورهم أو لبرامج معلوماتية تلتقط البيانات المعلوماتية” ما سيتيح لعناصر الاستخبارات وضع ميكروفونات وكاميرات تجسس وغيرها أينما يرون ذلك ضروريا.

قانون يضيّق على الإرهابيين
◄اختراق شبكات الإرهابيين دون موافقة القضاء

◄اعتراض محتوى الرسائل الإلكترونية

◄ الزام مشغلي الهاتف ومزودي الإنترنت بمد السلطات بكافة البيانات

وتؤكد السلطات الفرنسية أن هذا القانون لا يمت إلى قانون “باتريوت أكت” الأميركي لمكافحة الإرهاب الذي أقر إثر اعتداءات سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة حيث أفادت رئاسة الوزراء أن الإجراءات ستحدد بشكل دقيق وأن أي طلب سيكون “مبررا” وأن القرارات تبقى من صلاحية رئيس الوزراء نفسه وستكون محدودة في الزمن.

وتعهدت رئاسة الوزراء بأنه “لن يكون هناك غموض” بالنسبة إلى عناصر الاستخبارات الذين لا يودون أن يكونوا في “وضع حرج”، مشددة على أن المشروع يوفق بين حرية المواطنين وضمان وضع عناصر الاستخبارات.. ويرسي رسميا مبدأ الإخطار المسبق.

ويشير بعض المحللين إلى أن الحكومة قد تكون أخذت في عين الاعتبار، ما أظهره استطلاع للرأي أجري أواخر يناير الماضي أن الفرنسيين لن يعارضوا إجراءات لمكافحة “التطرف الديني” حتى لو كانت تتضمن تعديا على الحريات الفردية.

وأيد 71 بالمئة من المستطلعين في الاستبيان الذي أجراه معهد “ايبسوس”لحساب صحيفة “لوموند” وإذاعة “أوروبا 1” تعميم التنصت على الاتصالات الهاتفية دون إذن مسبق من القضاء.

ويبدو أن القانون الجديد أثار جدلا من قبل دعاة حماية الحريات الفردية وسرية المراسلات والاتصالات وغيرها في فرنسا، وهي الحريات التي ستشهد بمناسبة القانون الجديد “المنتظر” إعادة صياغة جوهرية، وذلك وفق ما انفردت به صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية على موقعها الإلكتروني الأربعاء.

لكن باريس استبقت انتقادات الحقوقيين في مجال الحريات العامة والحياة الخاصة عبر التأكيد بأن كل هذه التدابير ستخضع للإشراف وأن المراقبة ستقتصر بشكل حصري على الحالات المتعلقة بالإرهاب.

وفي خضم ردود الفعل بشأن هذا القانون الجديد قال رئيس رابطة حقوق الإنسان بيار تارتاكوفسكي منتقدا هذه الخطوة “أخشى في حال الصدمة المسيطر على البلد أن يتم تمرير مثل هذا القانون دون جدل كبير”.

وأضاف تارتاكوفسكي في هذا الصدد “سيتم اعتماد نظام يمكن أن يتعدى على الحريات، إننا نضحي بالحريات الفردية بحجة تعزيز الاستخبارات”.

5