باريس تعترف: خسرنا في سوريا

كانت فرنسا لاعبا أساسيا في الأزمة السورية في عام ‏‏2012، لكنها فشلت في المحافظة على دورها الرئيسي في هذا الملف الاستراتيجي، وبدأت في التراجع منذ 2013، لتعلن مع اقتراب نهاية 2015 وبلوغ الأزمة السورية عامها الخامس فشل دبلوماسيتها التي أرادت أن تكون “أخلاقية” في مجاراة واقع الأزمة السورية متعددة الأطراف والقوى.
الأربعاء 2015/11/25
حقيقة الوضع في سوريا كانت قاسية على دبلوماسية فرنسا الناعمة

باريس - خلال المرحلة الأولى من الصراع في سوريا تمسّكت فرنسا بمبدأ أن لا حلّ للأزمة بوجود بشار الأسد؛ وقد بدا وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، في كثير من التصريحات التي أدلى بها سنة 2012 حازما حين أكّد أن “بشار الأسد لم يعد له مكان”، لكن بعد ثلاث سنوات، طغى خلالها الواقع السوري الدامي على دبلوماسية فرنسية أرادت اتخاذ موقف “أخلاقي”، ودفع باريس إلى دائرة الخطر الإرهابي، التي أجبرت فرنسا على مراجعة موقفها وقدّمت تدمير تنظيم الدولة الإسلامية على سلم الأولويات المطلقة.

ويبرر هذا التغيير مصدر حكومي قال “الواقع إنها قصة سلسلة من الخيبات. صحيح أننا توقعنا منذ البداية ما سيجري في سوريا، توقعنا اللاجئين، والاعتداءات وتبنينا موقفا كان سليما، لكننا خسرنا”. وبعدما كانت الدبلوماسية الفرنسية تعتبر الرئيس السوري “سفاحا” لشعبه فتضعه في الخانة ذاتها مع تنظيم الدولة الإسلامية، عادت وبدلـت موقفهـا.

وتصر فرنسا على ضرورة إيجاد حل سياسي في سوريا وتردد أن الأسد لا يجسد مستقبل بلاده، إلا أنها أعادت ترتيب أولوياتها. وتساءل المصدر الحكومي “ما العمل في ظل الظروف الراهنة والخطر المحدق، حيث قتل 130 شخصا في باريس، وحيث دبرت هذه الاعتداءات في سوريا؟ كيف نشرح للناس أننا نريد دبلوماسية متوازنة؟”.

فرنسا أخطأت بشأن الأسد

كانت فرنسا، في العام 2011، الذي شهد ثورات الربيع العربي، تعيش حسب تعبير دبلوماسي سابق في ظل “الوهم التونسي والمصري” مع انهيار نظامي بن علي وحسني مبارك تحت ضغط الشارع. وقال مصدر دبلوماسي إن “سوريا جاءت بعد كل (ثورات) الربيع العربي في سياق حيث ما زلنا نعتقد أن مصر ستتحول بين ليلة وضحاها إلى سويسرا”، لذلك قال مسؤول حكومي كبير بثقة في سبتمبر 2012 “لا أحد يعتقد أن بشار سيصمد”.

اعتداءات باريس تعيد خلط الأوراق السياسية
باريس - شكّلت الاعتداءات الإرهابية التي تعرّضت لها باريس ورقة ضغط للأحزاب والمرشّحين المشاركين في انتخابات مناطقية، ستجرى في فرنسا من السادس إلى الثالث عشر من ديسمبر، تمهيدا للاقتراع الرئاسي الذي سيجرى في 2017.

وكشف استطلاعان للرأي أن إجراءات التصدي للإرهاب التي أعلنها هولاند تلقى تأييد تسعة من كل عشرة فرنسيين؛ كما سجلت شعبية الرئيس الفرنسي ارتفاعا.

وقبل الاعتداءات كانت كل الاستطلاعات تتوقع هزيمة انتخابية للسلطات وفوز اليمين وحتى تحقيق الجبهة الوطنية، الحزب اليميني المتطرف فوزا تاريخيا في منطقتين. لكن أكد أول استطلاعين بعد الهجمات حالة عدم اليقين؛ فالأول أبقى على الجبهة الوطنية (30 بالمئة) على رأس نوايا التصويت متقدمة بذلك على اليمين (28 بالمئة) وحزب هولاند الاشتراكي (22 بالمئة).

وأشار الاستطلاع الثاني، للمرة الأولى، إلى وضع مختلف ومنافسة حامية، بين الجبهة الوطنية التي تبقى في الطليعة (27 بالمئة) والحزب الاشتراكي الذي تقدم إلى المرتبة الثانية (26 بالمئة) متجاوزا الجمهوريين (25 بالمئة).

ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، عبّر عدد كبير من أعضاء المجالس المنتخبة عن “الخوف” و“الهلع” في جميع أنحاء البلاد منذ هجمات 13 نوفمبر؛ حيث قال جان لوك مودانك، رئيس بلدية تولوز، الذي ينتمي إلى حزب الجمهوريين، “هناك فارق عما حدث بعد اعتداءات يناير، فالجميع يشعرون أنهم مستهدفون”. وأكد توماس تيفينو، العضو اليساري في مجلس بورغوني (وسط الشرق) أن “الناس قلقون جدا”.

في هذه الأجواء نجحت السلطة الاشتراكية في الحصول على دعم كل اليسار لتمديد حالة الطوارئ حتى نهاية فبراير باستثناء بعض المدافعين عن البيئة والمتمردين من نواب الحزب الاشتراكي.

ويريد الحزب الاشتراكي، الذي يقدم نفسه على أنه “حزب الوفاق الوطني”، أن يرى في مبادرة الوحدة النادرة هذه، الأمل في تجمع مقبل في الدورة الثانية لانتخابات المناطق. أما المعارضة اليمينية، فقد باغتها التحول الأمني لهولاند الذي تبنى عددا من مقترحاتها القديمة في مجال مكافحة الإرهاب؛ وهي منقسمة أيضا حول الوحدة الوطنية التي يريدها رئيس الدولة.

وفي هذا الإطار، كان هولاند خلال نوفمبر 2012، أول قيادي غربي يعترف بالائتلاف الوطني السوري الذي يضم مجموعة غير متجانسة من المعارضين للنظام، ما فتح الطريق لإمكانية تسليم أسلحة إلى المعارضة التي توصف بـ”المعتدلة”. وكانت باريس “في موقع متقدم” في الملف السوري، حسب التعبير المعتمد آنذاك، وكانت تنشط من أجل رفع الحظر الأوروبي المفروض على تسليم الأسلحة في سوريا. وقام السفير اريك شوفالييه برحلات مكوكية كثيرة إلى تركيا من حيث كانت تنطلق المساعدة الإنسانية الفرنسية سعيا منه لتوحيد صفوف معارضة تعاني من انقسامات داخلية كثيرة ومن الخصومات بين الجهات الإقليمية الراعية لها وفي طليعتها قطر والسعودية.

ورفع الحظر الأوروبي عن تسليم الأسلحة لسوريا في مايو 2013 لكن باريس على غرار العواصم الغربية باتت حينها أقل اندفاعا لتسليم أسلحة إلى مجموعات مسلحة معارضة يزداد اختراق الجهاديين لها. ورأى الباحث الفرنسي فرنسوا بورغا أن “الذين ساعدوا النظام السوري (روسيا وإيران) قاموا بذلك بشكل جدي وظلوا ثابتين على موقفهم. في المقابل، فإن الذين أرادوا مساعدة المعارضة عمدوا إلى المراوغة والتشكيك. جميعنا لعب دورا في هذا الفشل السياسي الذريع”.

صدمة 2013

بعد ذلك، حدث ما اتفق جميع الدبلوماسيين والخبراء على وصفه بـ”المنعطف” أو “نقطة اللاعودة” في النزاع السوري. ففي 31 أغسطس 2013 عدل الرئيس الأميركي باراك أوباما في اللحظة الأخيرة عن ضرب نظام دمشق المتهم بارتكاب مجزرة بالأسلحة الكيميائية، أوقعت أكثر من 1500 قتيل، حسب المعارضة، في ريف دمشق.

وبعدما التزمت فرنسا بشكل ثابت المشاركة إلى جانب حليفها الأميركي في الضربات، وجدت نفسها وحيدة على الساحة الدولية وقد تخلت عنها واشنطن إثر تغيير موقفها.

وروى أحد مستشاري قصر الإليزيه للصحفي دافيد روفو دالون من صحيفة لوموند في كتابه “حروب الرئيس”، “تركونا نتقدم وهم يقولون لنا: إننا نغطيكم. ووجدنا أنفسنا عزلا في العراء”.

وقال المصدر الحكومي الفرنسي “عسكريا، لم نكن نملك القدرة على التحرك بمفردنا. ودبلوماسيا، لم نحسن الإقناع بصوابية مواقفنا. وانطلاقا من ذلك كانت العزلة البطيئة”. وتجرعت باريس مرارة كبرى جراء تخلي واشنطن عنها وهي لا تزال تعبر عن ذلك حتى اليوم.

وانطلاقا من تلك النقطة أيضا، ارتفعت أصوات في الجبهة اليمينية وفي أوساط الاستخبارات محذرة من الخطر الجهادي وداعية إلى “سياسة واقعية” حيال الأسد وحليفه الروسي.

وأقرت فرنسا بعجزها، حين قال دبلوماسي في منتصف 2014 “لم نعد نسيطر على شيء، تركنا الأمور بأيدي دول في المنطقة”، في إشارة إلى إيران والسعودية وقطر وتركيا، فيما تحدث آخر عن “اليأس العام حول هذا الملف”.

وازداد الوضع تعقيدا في يونيو 2014 حين حقق تنظيم الدولة الإسلامية تقدمه الخاطف فاحتل مساحات شاسعة في العراق وسوريا معلنا قيام “الخلافة”. وفي صيف 2015 بدأت أزمة اللاجئين مع تدفق مئات الآلاف من المهاجرين إلى أوروبا. وفي 13 نوفمبر ضربت فرنسا أعنف اعتداءات في تاريخها. واليوم، يسعى هولاند لإقناع حلفائه الغربيين وموسكو بتوحيد الجهود في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية والعمل على حل سياسي لنزاع مستمر منذ حوالي خمس سنوات أوقع أكثر من 250 ألف قتيل حتى الآن.

7