باريس تكشف الجانب التصويري الخفي لموندريان

متحف "مارموتان موني" بباريس يعرض نحو سبعين لوحة للفنان التشكيلي بيت موندريان وقد اختار المشرفون علىيه ترتيبا كرونولوجيا لتتبع مسار الفنان الهولندي وتطوّر تجربته.
الاثنين 2020/01/20
صدام الألوان بعضها ببعض

يعتبر موندريان أحد رواد التجريدية الكبار، اقترن اسمه بتطوير “البلاستيكية الجديدة” كشكل من أشكال التجريد، وها أنّ متحف “مارموتان موني” بباريس يكشف لنا عن وجهه الآخر، وجه موندريان التصويري، هذا الفنان الذي دأب كل صباح على رسم وردة، حتى وفاته.

عند الإعلان عن تنظيم معرض لموندريان (1944-1872)، كان عشاق الفن بباريس يتوقعون أن يكتشفوا أو يعيدوا اكتشاف لوحاته التجريدية التي عرف بها في موطنه هولندا، ثم في باريس ونيويورك، تلك التي بوأته مكانة مرموقة ضمن الحركة التجريدية.

وكانت لوحاته تلك عبارة عن أشكال هندسية ذات خطوط متعامدة ومربعات صغيرة صبغت بالألوان الأصلية أي الأزرق والأحمر والأصفر والأسود والأبيض، وهي التي أنجزها في مرحلة ما أسماه بـ”البلاستيكية الجديدة”. غير أن المعرض خصّص لوجهه الآخر الذي بدأ به مشواره الفني، ليبيّن أن موندريان لم يكن تجريديا فحسب، بل إنه بدأ هو أيضا تصويريا، متأثرا بالانطباعية ثم بالتعبيرية، قبل أن ينزاح عنهما.

وقد شمل المعرض المقام حاليا بمتحف “مارموتان موني” نحو سبعين لوحة نصفها لم يسبق عرضه في باريس، كان جمعها بنفسه لأكبر هواة فنه، سالومون سليبر. هذا الرجل الذي غيّر مجرى حياة موندريان، إذ كان يقتني منه لوحاته، ما مكن الفنان الشاب من الانصراف إلى فنه بعد أن كان مضطرا لاستنساخ الأعمال المعروضة في متحف رايكس لضمان عيشه، مثلما مكنه من السفر إلى باريس حيث اكتشف الحركات الفنية الجديدة، وهو الذي حافظ على حصيلة موندريان قبل أن يتبرّع بها للمتحف المذكور.

موندريان تخلى عن الواقع وأشكاله الكلاسيكية وأضفى ملمحا سرياليا على لوحاته
موندريان تخلى عن الواقع وأشكاله الكلاسيكية وأضفى ملمحا سرياليا على لوحاته

ورغم ثراء هذه التجربة وتميزها، فإن النقاد والمؤرخين لا يكادون يذكرون بِيتْ موندريان (واسمه الحقيقي بيتر كورنيليس موندريان) إلاّ كواحد من رواد الحركة التجريدية في العالم، ويغفلون عن مساره الذي استهله بمناظر طبيعية قريبة من مدرسة لاهاي الفنية التي عقبت حركة الانطباعيين، نظرا لعنايته بالمناخ وأغباش وادي غوي شرق أمستردام. ذلك أن موندريان، على محدودية ثيماته التي تحوم حول الطاحونة والشجرة والضيعة والزهرة والبورتريه، طوّر تقنيته بشكل جعلها تنهل من بعض ملامح الحداثة، من جهة استعمال الألوان والخطوط المنحنية والمنمنمات، التي تتخذ أحيانا صبغة صوفية، كما يتجلى ذلك بوضوح في بورتريهاته الشخصية، وتنأى عن أساليب معاصريه.

فقد كان في الفترة الواقعة بين عامي 1898 و1907 مولعا برسم المناظر الطبيعية في الريف، في أجواء ضبابية، بألوان كابية، وكان يسميها “مناظر داخلية”، ولكن سرعان ما تغيّرت الألوان لتصبح حمضية حادة، حين اكتشف أن “ألوان الطبيعة لا يمكن تقليدها على القماشة”، ما دفعه إلى البحث عن جوهر الطبيعة والابتعاد عن المرئي، فكانت تلك بداية لجوئه إلى الخطوط الأفقية والعمودية التي سوف تميز لاحقا تجربته التجريدية.

ومنذ عام 1907، صار توجهه الجديد يتمثل في التخلي عن اللون الطبيعي لفائدة اللون الخالص، حيث بدأ يجرّب التباينات وصدام الألوان بعضها ببعض.

ويتبدى ذلك في طواحينه، مثل لوحة “الطاحونة في وضح الشمس” التي غادرت متحفها لآخر مرة نظرا لهشاشتها، وكذلك لوحة “الطاحونة عند الغروب” أو “غابة قرب أويلي”. إضافة إلى الضِّياع التي تلفها أجواء غائمة وباردة، ولو أنها مشحونة بأصباغ مَغْراء اللون تنمّ عن بداية تأثره بالموجة التكعيبية التي أطلقها بيكاسو وجورج براك في باريس، وكان يقرأ عن أصدائها ويتمثلها في لوحاته دون أن يراها، ثمّ يتأوّلها على طريقته. وسرعان ما صارت أشكاله هندسية مثل لوحة “ناقوس زيلندا”، التي يطغى عليها اللون الوردي مع خلفية خضراء وزرقاء.

ولما زار باريس عام 1912 بدأ يقلّد التكعيبيين، ويميل شيئا فشيئا إلى التجريد، وإن كان منطلقه رسما واقعيا، ولم يبدأ تجربته التجريدية إلاّ عام 1914، أي أنه انتقل خلال عشرين سنة من الواقعية إلى التكعيبية ثم إلى التجريدية، والطريف أنه لم ينقطع عن التصويرية حتى في أوج اشتغاله على منواله الجديد.

المعرض يبيّن أن موندريان لم يكن تجريديا فحسب، بل كان تصويريا، متأثرا بالانطباعية ثم بالتعبيرية، قبل أن ينزاح عنهما

يضم المعرض إذن نحو سبعين لوحة أنجزها موندريان ما بين 1891، حين كان في سن التاسعة عشرة، و1920 عندما بلغ الخمسين، أي أنها تقع في صميم مسيرته الفنية، وتشهد على تطوّر تجربته، وليست مجرد أعمال شبابية يتنكّر لها لاحقا.

وقد اختار المشرفون على المعرض ترتيبا كرونولوجيا لتتبع مسار الفنان الهولندي وتطوّر تجربته، حيث يكتشف الزائر لوحته الشهيرة “تركيب 6”، وقبالتها مباشرة لوحة تصويرية “الأرنب الميت” للوقوف على النقلة التي أحدثها موندريان في تجربته، من طبيعة ميتة على الطراز الهولندي التقليدي، إلى إبداع حداثي يواكب العصر، حمل بصمته الخاصة وميزه عن باقي التجريديين؛ ومن المناظر الطبيعية الكلاسيكية لمنطقة غوي إلى لوحات أكثر حرية.

فالكنيسة الوردية للوحة “ناقوس زيلندا” أو”الطاحونة الحمراء” كلتاهما تطبيق للتصوّر الجديد لموندريان عن استحالة تقليد ألوان الطبيعة على القماشة، وهو ما دفعه إلى التخلي عن الواقع وأشكاله الكلاسيكية ليضفي ملمحا سرياليا على لوحاته، كما يتجلى في لوحة “تشكيل” التي رسمها عام 1921، والتي يختتم بها مسار المعرض.

16