باريس تنظم حوارا بصريا بين العرب والغرب عبر مهرجان سينمائي

دأب السينمائيون العرب المقيمون في أوروبا على إيجاد صيغ تفاعل سينمائي تجمعهم مع المحيط الأوروبي، عبر تنظيم العديد من المهرجانات أو التظاهرات السينمائية العربية، فكان معهد العالم العربي في باريس صاحب ريادة زمنية في الموضوع، ثم ظهرت تجارب أخرى، منها مهرجان أمستردام للفيلم العربي، وكذلك مهرجان جنيف وبروكسل وغيرهما.
الثلاثاء 2017/07/18
"مولانا" جدل حول علاقة الدين بالدولة

باريس - من التجارب الجديدة التي ما انفك يفعّلها العرب المقيمون بالمهجر عاما بعد آخر، إقامة المهرجانات السينمائية التي تعنى بالسينما العربية في العواصم الأوروبية، ليكون الدور أخيرا على عاصمة الأنوار باريس من خلال مهرجان مواسم السينما العربية، والذي تقيمه بمجهود فردي الصحافية اللبنانية هدى إبراهيم منذ ثلاثة أعوام.

وشهدت الدورة الثالثة من المهرجان هذا العام عرض ثمانية عشر فيلما من الدول العربية، مع تحية خاصة للمخرج المصري الراحل محمد خان عن طريق عرض فيلمه “فتاة المصنع”، كما عرض عدد من الأفلام البارزة مثل “مولانا” و”اشتباك” و”آخر أيام المدينة” من مصر، والفيلم الوثائقي الطويل “حزام” من الجزائر، و”غدوة حي” من تونس، و”عرق الشتا” و”ضربة في الرأس” من المغرب، و”3000 ليلة” من فلسطين، كما تم عرض خمسة أفلام قصيرة من سوريا والجزائر والسودان ولبنان وفلسطين.

حضور شبابي

في حوار مع مديرة المهرجان هدى إبراهيم، قالت عن طبيعة التفاعل بين المهرجان والجمهور الأوروبي والعربي “نحن نتوجه أولا للجمهور الأوروبي وتحديدا الباريسي، فهدفنا هو مخاطبة هذا الجمهور، في ظل صور العنف السائدة حول العالم العربي والنظرة النمطية التي عزز وجودَها موضوعُ الإرهاب الذي يلصق بالمسلمين صورا سلبية، هدفنا هو إظهار هذه الصورة الأخرى التي تأتي بها السينما، التي هي مرآة للمجتمعات العربية، تعكس صورتها كما تعكس أهم القضايا المطروحة على عاتق الأفراد والمجتمعات العربية”.

ويسعى المهرجان من خلال المناقشات مع مخرجي الأفلام ومنتجيها لتوسيع دائرة الفهم والحوار بين أشخاص من ثقافات مختلفة.

و”مواسم”، كما تقول مديرة المهرجان “هو أولا مساحة حوار، تجعل من السينما أداة أكثر اتساعا لحوار ما زلنا نؤمن بأنه ممكن، في حين يتحدث الآخرون عن صراع حضارات وثقافات، والجمهور الذي يأتي هو جمهور عربي فرنسي مختلط، ويحضر أبناء المهاجرين بكثرة”.

وعن الحضور العربي ومدى اهتمامه بالمهرجان، تقول إبراهيم “يأتي لاكتشاف الجديد غير المتاح في الحيز الفرنسي أو الباريسي، وجل الأفلام التي قدمت كانت في عروض أولى، كما فيلم ‘مولانا’ لمجدي أحمد علي، وفيلم ‘آخر أيام المدينة’ وكلاهما من مصر، أو فيلم ‘عرق الشتا’ لحكيم بلعباس و’ضربة في الرأس” لهشام العسري من المغرب، وكل هذه الأفلام الروائية تقدم للمرة الأولى”.

وحضر الشباب في الدورة الثالثة من “مواسم” بقوة وكانت أفكارهم ورؤاهم مطروحة فيه بوضوح، وعن ذلك تقول هدى لـ”العرب” “الأعمال الأولى وأفلام الشباب حاضرة دائما بقوة منذ الدورة الأولى لـ’مواسم’، ينبع هذا الحضور من باب أن الشباب هو الذي يضخ دماء جديدة في شرايين السينما العربية، وهو من يجرؤ أكثر على إبراز القضايا التي تعيشها مجتمعاتنا من وجهة نظر شخصية خاصة ورؤية تعطي لهذه القضايا بعدا أجمل، كونها معالجة بشكل فني، وليس الهدف من المهرجان الترويج لقضايانا، بل الدفاع عن ذاتنا المهددة والتي تلصق بها شتى أنواع التهم بسبب الممارسات التي ترتكبها فئات قليلة في مجتمعاتنا أو فئات استولى عليها الجهل”.

ويظل الهدف من “مواسم”، وفق إبراهيم “هو الاطلاع وليس الإقناع، عرض وإظهار وليس الترويج من خلال الأعمال”.

وتضيف “أريد القول إن لدينا أيضا سينما قائمة وموجودة وتستحق الاحترام، وهنا أود الإشارة إلى أن هناك نوعا من المقاطعة غير المعلنة لدى الجمهور للأعمال العربية في الصالات الفرنسية، وهذه القطيعة تخضع أيضا لقانون السوق الذي لا يرحم، فلو أخذت مثالا فيلم ‘اشتباك’ للمصري محمد دياب، وهو من أهم الأفلام التي أنتجت في غضون العامين الماضيين، هذا الفيلم، كان في افتتاح تظاهرة ‘نظرة ما’ في مهرجان ‘كان’ العام الماضي وكتب عنه النقاد الفرنسيون بشكل جيد جدا، وفي المقابل عند خروجه إلى الصالات لم يحظ بالإقبال المتوقع له من قبل الجمهور”.

هدى إبراهيم: هدفنا من المهرجان كسر نظرة الغرب النمطية تجاه العرب والمسلمين

ومن بين الأفلام التي عرضت في المهرجان فيلم عن المطربة المصرية الراحلة أم كلثوم وهو من إخراج الفرنسي كزافييه فيلتار، والذي أنتجه لحساب قناة “آرتي” الفرنسية الألمانية، حيث تناول فيه الدور السياسي غير المباشر الذي لعبته أم كلثوم حين ذهبت لإحياء حفلات بعد الهزيمة لمنح ريعها للمجهود الحربي أيام جمال عبدالناصر.

وتقول إبراهيم عن الفيلم وأم كلثوم أيضا “كانت أم كلثوم السيدة الأولى في مصر لا سيدة الغناء العربي فقط، وكانت تستقبل من قبل الزعماء والملوك العرب وكأنها سيدة أولى بالمعنى السياسي وكانوا يحرصون على استقبالها بأنفسهم، من العاهل المغربي إلى أمراء الخليج إلى رؤساء الحكومات والدول في سوريا ولبنان والعراق، حيث تم تغيير القانون في الستينات من القرن الماضي لتوسيمها، لتكون أول امرأة تنال وساما في العراق، كل ذلك بالطبع يضاف إلى مقدرتها الفنية الهائلة وصوتها الفريد ومكانتها في قلوب العرب”.

ورأت مديرة المهرجان أنه كان من الضروري أن يتم الاحتفاء بأم كلثوم في ذكرى مرور خمسين عاما على النكبة، وتضيف “خاصة وأنها اتهمت من قبل اليساريين العرب في الستينات من القرن الماضي بأنها سبب النكبة وأن صوتها كان بمثابة المخدر للشعوب العربية، طبعا كان ذلك من باب تحميل الأشياء بما لا تحتمل وسيدة الطرب كانت تعمل بقدر استطاعتها وإدراكها على أن ينتصر العرب، وإذا كانت الأنظمة وعبدالناصر استخدماها لتصل أكثر إلى قلوب الشعب، فهي كانت تفعل ذلك رغبة في إحقاق الحق وحبا لما جسده عبدالناصر وقتها في قلب الملايين من العرب”.

الجولان ضد النسيان

يمتلك مشروع “مواسم السينما العربية” في باريس الكثير من الطموحات، التي تحتاج الكثير من الجهد والتعب، وعن ذلك تقول هدى إبراهيم “التحدي الأكبر أن نوصل هذه الأفلام إلى الجمهور الباريسي في عاصمة تعج بالأحداث والمواسم الثقافية دون توقف ومن كل أنحاء العالم، باريس لا يوجد مثلها في التعاطي مع الثقافة، هذا من حسن حظنا، لكنه من سوء حظنا أيضا، فالجمهور هنا مشبع بالثقافات وعلينا بذل الكثير من أجل جذب المزيد من هذا الجمهور إلى الصالة، أما بخصوص الأفلام فنحن ما زلنا على عهدنا منذ الدورة الأولى، نحاول تقديم الأجود مع التنويع في حضور البلدان العربية، وهو رهان كسبناه منذ الدورة الأولى ونسعى للاستمرار في تحقيقه”.

وبفخر تقول إبراهيم “أملنا كبير في مبدعينا، قدمنا شريطا قصيرا من السودان هذا العام، ونطمح إلى تقديم ليبيا العام المقبل”.

وشهد حفل افتتاح “مواسم” في دورته الثالثة عرض فيلم عن الجولان السوري المحتل، وهو الموضوع الذي يكاد يكون مخفيا عن السينما العربية وحتى السورية، ولكن لهدى إبراهيم حساباتها الخاصة، حيث قالت لـ”العرب” “للأسف الجولان موضوع منسي اليوم في خضم المخاضات التي تعيشها بلداننا، لكنه باق في وجدان البعض ونحن هنا لننعش الذاكرة، وذلك بفضل مخرجين تواصلوا معنا واكتشفنا أعمالهم رغم الحصار والتهميش المفروض عليهم”.

وتختم إبراهيم حوارها مع “العرب” شاكرة التكنولوجيا بقولها “ممتنة كثيرا للتكنولوجيا التي باتت تتيح لنا اليوم الحصول على فيلم بجودة عالية بفضل رابط ما، وهذا ما حصل مع الفيلم الذي أشرت إليه، لقد أعجب الفيلم الكثيرين وهو لمخرج شاب مغمور اسمه أمير فخرالدين، وسأسعى لتقديم هذا الفيلم القصير في مهرجانات فرنسية أخرى، كي أعرّف به وبأهل الجولان، حتى لا يختفي هؤلاء من الذاكرة، وهو ما فعلته في الدورتين السابقتين، حيث قدمت أعمالا لمخرجين آخرين من الجولان، كان أولها للمخرج الشاب إيهاب طربيه وهو مخرج واعد، والثاني للمخرج سليم أبوجبل الذي صور فيلما تدور أحداثه في مكان معزول قرب حيفا”.

16