باريس تهتز على وقع نمط إرهابي أكثر عنفا

للمرة الثانية في أقل من سنة تتساءل فرنسا والعالم كيف يمكن أن تقع مذبحة في قلب هذه المدينة المتميزة بالحب والمرح وفي مواقع مختلفة من بينها مسرح وقاعة للحفلات الموسيقية على بعد مئات الخطوات عن موقع هجوم مميت على صحيفة تشارلي إيبدو الساخرة في يناير الماضي.
الأحد 2015/11/15
اعتداءات باريس ضربة متوقعة يصعب تداركها

باريس – حولت خفافيش الظلام حالة المرح والصخب التي تشتهر بها باريس إلى مشهد رعب، عندما ألقت بظلال أجنحتها السوداء على مصابيح عاصمة الأنوار، وبثّت الفزع في كل أنحاء العالم الذي هبّ في وقفة واحدة بكل مكوّناته وحكوماته وشعوبه ومنظّماته ليؤكّد لفرنسا وقوفه معها في مكافحة الإرهاب.

من كل عواصم العالم، ومرورا بالأمم المتحدة والحلف الأطلسي والمنظمات الدولية، ومن مواقع التواصل الاجتماعي وبكل لغات العالم، ترددت عبارة هي “براي فور باريس” (صلوا لأجل باريس). و”نتألم معكم”، كانت الرسالة التي وجهها العالم، بكل لغاته، إلى الفرنسيين؛ معّبرا عن صدمته، من هذه العمليات التي قال عنها البابا فرنسيس “لا يمكن أن يكون لها تبرير ديني أو إنساني”؛ وأعربت الملكة اليزابيث الثانية عن “صدمتها العميقة وحزنها” وذلك في رسالة تعزية وجهتها الى الرئيس الفرنسي. وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون “أفكارنا وصلواتنا للشعب الفرنسي وسنفعل كل ما بوسعنا لمساعدته”. ووعدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بـ خوض المعركة معا ضد الإرهابيين”.

من جهته قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن هذه الاعتداءات “ليست فقط هجوما على فرنسا” بل “هجوم على الإنسانية جمعاء وقيمها الكونية”. وأدان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون “الاعتداءات الإرهابية الدنيئة”، مؤكدا “وقوفه إلى جانب الحكومة والشعب الفرنسيين”. وقال رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي “مثل كل الإيطاليين أعرف اليوم أن الإرهابيين لن ينتصروا”، فيما أكد نظيره الأسباني ماريانو راخوي “اليوم جميعنا فرنسا”.

اعتداءات شهدتها فرنسا منذ يناير 2015
*3 فبراير: تعرض ثلاثة جنود في نيس، لاعتداء بالسكاكين. وسرعان ما اعتقل المعتدي موسى كوليبالي (30 عاما). وأثناء احتجازه عبّر عن كراهيته لفرنسا والشرطة والجنود واليهود.

*19 أبريل: أوقف الطالب الجزائري سيد أحمد غلام للاشتباه في أنه قتل امرأة وأعد لاعتداء كان يوشك على تنفيذه في الضاحية الجنوبية لباريس.

*26 يونيو: قتل ياسين صالحي رب عمله إرفيه كورنارا. وحاول تفجير مصنع أير بروداكتس في سان كوانتان-فالافييه (وسط شرق).

*13 يوليو: اعتقال أربعة شبان تتراوح أعمارهم بين 16 و23 عاما، للاشتباه في أنهم كانوا ينوون مهاجمة مخيم عسكري في البيرينيه (جنوب) وأعلنوا التزامهم الجهاد إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية.

*21 أغسطس: أمكن تفادي مجزرة في قطار تاليس الذي يربط أمستردام بباريس، عندما سيطر جنود أميركيون على رجل مدجج بالسلاح كان يطلق النار لدى وجود القطار في شمال فرنسا.

*10 نوفمبر: اعتقال رجل في الخامسة والعشرين من العمر بتهمة تشكيل عصابة من المخربين على علاقة بمنظمة إرهابية.

*14 نوفمبر: أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن الاعتداءات التي استهدفت باريس وأسفرت عن مقتل أكثر من مئة شخص.

وأعربت العديد من الدول الأفريقية، التي تشهد بدورها اعتداءات متطرفين إسلاميين، عن تضامنها مع فرنسا. وندد رئيس نيجيريا محمد بخاري بـ”الاعتداءات الوحشية” في حين وقف نظيره المالي إبراهيم بوبكر دقيقة صمت ترحما على الضحايا. وأجّل الرئيس الإيراني حسن روحاني زيارته لأوروبا واصفا الاعتداءات بأنها “جريمة ضد الإنسانية”.

وفي بكين أبدت الصين “صدمتها العميقة” “وإدانتها الشديدة” للاعتداء، مؤكدة على لسان وزارة الخارجية أن “الإرهاب هو عدو الإنسانية جمعاء”.

بدورها أكدت كندا، والتي عاشت بدورها هذا العام على وقع هجومات وتهديدات إرهابية، “تضامنها مع فرنسا”، مشيرة إلى أنها “ستعمل مع المجتمع الدولي للمساهمة في منع وقوع مثل هذه الأعمال الرهيبة والعبثية”. ووجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “تعازيه الحارة” إلى فرنسا، مطالبا بـ”اجتماع للمجتمع الدولي ضد الإرهاب”.

في نيويورك أشعلت أضواء برج التجارة العالمي، الذي شيد إثر اعتداءات 11 سبتمبر 2001، واكتست أضواء أوبرا سيدني الشهيرة ألوان العلم الفرنسي؛ فيما وقف في مدريد مئات الأشخاص دقيقة صمت قبل أن تنشد رئيسة البلدية وجموع معها النشيد الوطني الفرنسي. وفي أوسلو وزع بائع زهور مجانا عشرات الورود على الناس ليضعوها أمام سفارة فرنسا. وفي كييف حمل الرئيس ووزراؤه ورودا إلى السفارة الفرنسية.

ولم يكتف قادة العالم بإبداء الغضب والتعهد بالتضامن، حيث قرّرت دول كثيرة، على ضوء اعتداءات باريس، أن تشدّد الأمن خاصة على حدودها ونصحت دول أخرى مواطنيها بعدم السفر إلى فرنسا. وقالت العديد من الدول إنها ستعزز الأمن ردا على الهجمات وبينها بلجيكا وهولندا المتاخمتان لفرنسا. أما أسبانيا جارة فرنسا من الجنوب فقالت إنها أبقت. وقال رئيس الوزراء الهولندي مارك روته إن بلاده ستشدد الأمن في حدودها ومطاراتها وقال إن الهولنديين “في حالة حرب” مع الدولة الإسلامية. وأضاف “إن قيمنا وحكم القانون لدينا أقوى من تطرفهم.”

وفرضت بلجيكا قيودا إضافية على الحدود وعلى رحلات القطارات والطائرات من فرنسا وطلب رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشيل من مواطنيه عدم السفر إلى باريس إلا في حالات الضرورة. وأصدرت هونج كونج بدورها تحذيرا من السفر لفرنسا. وفرضت أيضا بلغاريا قيودا إضافية على حدودها تتعلق بالسفر بالسيارات.

الاعتداءات غير المسبوقة تجسد أسوأ مخاوف أجهزة الاستخبارات والشرطة التي كانت تتوقع حصول مثل هذه الهجمات غير أنها عجزت عن منعها

وقال مارك راولي، نائب مدير شرطة متروبوليتان في لندن لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي)، إنه سيتم تعزيز عمليات الشرطة في بريطانيا لكنه أضاف إنه لن يتم تغيير حالة التأهب وهي حاليا عند ثاني أعلى درجات الخطورة.

وشددت نيويورك وبوسطن ومدن أميركية أخرى إجراءات الأمن ليل الجمعة لكن مسؤولين في هيئات إنفاذ القانون قالوا إن الوجود المكثف لقوات الشرطة هو إجراء احترازي وليس ردا على أيّ تهديدات محددة. وأبدت الولايات المتحدة وروسيا تأييدهما في رسائل إلى الشعب الفرنسي على الرغم من اختلافهما بشأن قضايا كثيرة من بينها الحرب في سوريا والتي أججت عنف الإسلاميين.

وفي مواجهة أعداد الجهاديين العائدين من القتال في سوريا، كانت الأجهزة الفرنسية تتخوف من حصول عملية إرهابية على نطاق غير مسبوق على الأراضي الفرنسية.

وجسدت هذه الاعتداءات غير المسبوقة التي أدمت باريس أسوأ مخاوف أجهزة الاستخبارات والشرطة الفرنسية التي كانت تتوقع خلال الأشهر الماضية حصول مثل هذه الهجمات، فخصصت عناصر ووسائل جديدة لمكافحة الارهاب وعبأت قوات الجيش وأقرت قانون استخبارات، غير أن كل هذه التدابير لم تكن كافية على ما يبدو.

4