باريس مدينة الجريمة والعنف والكراهية والصراع الوحشي

الأربعاء 2014/12/10
بودلير: في كل صحيفة -من السطر الأول حتى الأخير- ليس هناك غير نسيج من الفظاعات

في عددها الصادر خلال شهر أكتوبر 2014، خصّصت “المجلّة الأدبيّة” الفرنسيّة ملفّا خاصّا عن الشاعر الفرنسيّ الشهير شارل بودلير(1821-1867)، وقد تضمّن هذا الملفّ مقالات ودراسات عن مختلف الجوانب التي تميّزت بها مسيرة صاحب “أزهار الشرّ” الذي لم يكن شاعرا فقط، بل كان أيضا صحافيّا، وناقدا فنيّا، ومترجما يعود إليه الفضل في نقل قصص الأميركي إدغار ألان بو إلى لغة موليير.

في مقاله، طرح بيار غلوداس، وهو أستاذ في جامعة “السربون” بباريس، السؤال التالي: هل كان بودلير ثوريّا أم رجعيّا؟ وهو يقول بأن بودلير كان في بداية مسيرته منجذبا إلى الحركة “البارناسيّة” لكن من دون أن يقطع مع الكلاسيكيّة التي كان يجسّدها فيكتور هوغو.

في هذه المرحلة من حياته، كان يرى أن العمل الفنيّ لا بدّ أن “يتخذ شكلا ثوريّا”. ولعلّ هذا ما يفسّر إعجابه بأفكار الفيلسوف الفرنسي فورييه (1772-1837) مؤسّس ما سماه كلّ من ماركس وأنجلز بـ”الاشتراكيّة الطوباويّة”.


البذرة الإلهية


في المقالات التي كان ينشرها بالصحف والمجلات، دأب شارل بودلير على الدفاع عن أفكار فورييه، معتبرا أن الفن الحقيقي لا بدّ أن يكون حاملا لـ”البذرة الإلهيّة ذات الطابع الطوباويّ”.

كما أنه لم يكن يخفي نفوره من النظام البورجوازي القائم، والذي كان يمثله الجنرال “أوبيك” بغطرسته، وبقمعه لكلّ الحركات الثوريّة، والديقراطيّة. غير أن بودلير لم يلبث أن انحاز إلى الفيلسوف الفرنسي برودون مبتكر “الاشتراكيّة الفوضويّة” التي شهدت رواجا كبيرا خلال ثورة 1848 المناهضة للنظام الملكي، والتي امتدّ لهبها إلى العديد من البلدان الأوروبية.

ومن المؤكد أن بودلير أظهر إعجابا بمقولة برودون الشهيرة: “الحرية هي الفوضويّة لأنها لا تقبل بحاكميّة الإرادة، وإنما هي تقبل بسلطة القانون، أي بحاكميّة الضرورة”.

أصبح يرفض المساواة المطلقة بين البشر، مفضلا التوحد بنفسه بعيدا عن صخب الجماهير الغاضبة والحاقدة

لذلك لم يتردّد بودلير في المشاركة بحماس في الثورة المذكورة حيث شوهد مع الثوار خلف المتاريس التي نصبت في شوارع باريس على مدى أسابيع. وفي المقالات التي نشرها بالجرائد المساندة للثورة، أظهر بودلير مساندته المطلقة لبرودون، صاحب كتاب “فلسفة البؤس” معتبرا إيّاه “أفضل معبّر عن المعارضة المناهضة للبورجوازيّة الرجعيّة”.

وضمن رسالة بعث بها إليه في شهر أغسطس 1848، كتب له يقول إنه “يمنحه ثقته المطلقة”، وإنه “مستعدّ مع البعض من أصدقائه، أن يسير خلفه مغمض العينين لقطع الطريق على وحوش الملكيّة”.


إدانة البرناسية


ومثل برودون، أدان بودلير الذي كان قد بدأ يبتعد عن الحركة “البرناسيّة”، وعن الكلاسيكيّة ليصبح ناطقا باسم الحداثة، من سمّاهم بـ”الديماغوجيين” الذين استغلوا انتفاضة الشعب ليستولوا على السلطة، وليسرقوا الثورة من الذين أشعلوها.

كما سخر بودلير من شعاراتهم الكاذبة، ومن “كلماتهم المذهّبة” التي يستعملونها لخداع الجماهير وتضليلها، وهم لم يفعلوا ذلك إلاّ لأنهم عاجزون عن تلبية مطالب تلك الجماهير التي “لا تعيش بالكلام المعسول وإنما هي في حاجة إلى الخبز”.

في قصائد بودلير بات الألم الإنسانيّ يحتل مكانة بارزة

لكن بعد الانقلاب الذي حصل في الثاني من شهر ديسمبر 1851، والذي أعاد النظام الملكيّ إلى السلطة، شرع بودلير في الابتعاد عن برودون، معترفا للبعض من أصدقائه المقربين أنه فقد كلّ “حماس للثورة”، مع ذلك ظلّ يتابع بشيء من الاهتمام الأحداث السياسيّة، والجدل القائم بين الأحزاب والكتل المتصارعة والمتنافسة على السلطة.

وفي رسالة بعث بها إلى الناقد الكبير “سانت بوف”، في صيف 1858، لم يتردّد بودلير في السخرية من برودون ناعتا إياه بـ”الفلاح الغليظ”، وبـ”الرجل الخشن العاجز عن أن يكون أنيقا ومهذّبا”.

وفي قصيدته النثريّة المعنونة بـ”ماذا تقول أيها المواطن برودون؟”، ضاعف صاحب “أزهار الشرّ” من احتقاره لصاحب “فلسفة البؤس” محمّلا أفكاره مسؤولية “الاستعباد الجديد الذي أصبحت تعاني منه الجماهير”.


نسيج من الفظاعات


في هذه الفترة اكتشف بودلير المفكر، ورجل السياسة جوزيف دو ماستر (1753-1821) الذي كان من أشدّ المناهضين للثورة الفرنسيّة، مدينا الفوضى التي تخللتها، والجرائم التي ارتكبت باسمها، والتجاوزات الخطيرة التي طبعتها.

وقد اعتبره بودلير “العبقريّة الهائلة لعصرنا” إذ أنه أظهر بحسب رأيه معرفة بـ”الطبيعة البشريّة الميّالة إلى العنف والشرّ”، محمّلا مسؤوليّة البؤس الإنساني لا للحكام فقط وإنما للمحكومين أيضا”.

من هنا نفهم سبب تضخم “نزعة الشر” لدى بودلير. لذلك بات ينظر إلى باريس وكأنها مدينة الجريمة والعنف والكراهية والصراع الوحشي لإرضاء الرغبات والمطامع البشريّة.

وها هو يكتب قائلا: “في كلّ صحيفة -من السطر الأول حتى السطر الأخير- ليس هناك غير نسيج من الفظاعات، جرائم وسرقات وعمليات تعذيب وعهر وفجور وجرائم أمراء وجرائم أمم وانتشاء كونيّ بالعنف”. ومثل جوزيف دو ماستر أصبح بودلير يرفض “المساواة” المطلقة بين البشر، مفضلا التوحد بنفسه بعيدا عن صخب الجماهير الغاضبة والحاقدة! وفي قصائده، بات الألم الإنسانيّ يحتل مكانة بارزة تماما مثلما هو الحال بالنسبة إلى التشاؤم، والخيبة المرّة ولـ”قانون الزمن المرعب”.

14