"باسم الأمّ" مهر الأنبياء والرعشة الآتية من المستقبل

الأحد 2015/11/22
دي لوكا: الانحياز إلى المؤنث

يأتي اختيار الإيطالي أري دي لوكا عنوان “باسم الأم” لروايته كمحاولة منه إيجاد معادل لغوي، فكري، تاريخي، إيماني، لما يقال في المسيحية “باسم الأب”، “باسم الرب”. بحيث يقلب صيغة التذكير، ويمنح التأنيث سلطته المفقودة، تلك التي يثبتها في واقع روايته، ولا سيما أن صفات التمرّد والتحدي والتجديد والمقاومة والصمود تسم شخصية بطلته مريم، وتبرز قوتها وكفاءتها.

يسعى دي لوكا لإعادة كتابة قصة ميلاد المسيح بطريقته الخاصة، مرجعاً المسيح إلى الخلفية، مصدّراً صورة مريم ومركّزاً على دورها وتأثيرها وتحديها للأعراف والعادات، واختيارها الاستمرار في مواجهتها مع محيطها، ملتقطاً تفاصيل الضعف الذي كان يتخلل قوّتها وصمودها بعض الأحيان، ووقوف خطيبها يوسف النجار إلى جانبها، وثقته بها، وتحمّله الإهانات في سبيلها.

ينبش دي لوكا في روايته (منشورات الجمل، ترجمة نزار آغري 2015) في طيات النص الديني المعتمد، ينزع عنه القدسية، يقرأه بأسلوبه الذي يجمع بين البساطة والعمق، يتقصى الصراعات التي خاضتها مريم في سبيل الظفر بابنها الموعود، وتشبثها بحملها الذي غدا حلمها، والنقاشات التي أدارها بينها وبين خطيبها يوسف، وافتراضات الإساءات المرتقبة والإهانات المتربصة بهما.

بزوغ الميلاد

يذكر في مقدمته أن أخبار مريم “ماريا” ترد بالتفصيل في إنجيلي متّى ولوقا، ما يصفه ببزوغ الميلاد من الجسد الأنثوي، واللغز الطبيعي الأكبر. ويقول إن الإنجاز الذكوريّ، في الأساس، لا وزن له. يتم في لحظة من الزمن. ويلفت أنه في الحكاية يهيمن الغياب من دون أن يشعر به المرء.

ينوه صاحب “ثلاثة جياد” إلى أنه في الإنجيلين ليس من ذكر لوجود قابلات أو غيرهن في الإسطبل أثناء الولادة. ويشير إلى أن ما هو غير مذكور يشكل جزءاً من الرواية. يكتب “لم تكن ثمة قابلات. ولدت لوحدها. تلك المعجزة الكبرى في ليلة الميلاد، كفاءة الصبية الأم في وحدتها”.

يذكر أنه فضلاً عن نجمة الشهب والسحرة الثلاثة على الجِمال، ثمّة معرفة مريم بأمر الولادة. ويقول إن ههنا تتوالى التفاصيل من أجل مقاربة أكثر وضوحاً. ويلفت في نهاية تقديمه إلى أن باسم الرب تفتتح شارة الصليب، في حين أن باسم الأم تفتتح الحياة.

دي لوكا يعالج في روايته صراع الإنسان ومجاهدته ضد ذاته ومحيطه، صراع الحب والشرع، وتمثل حالة يوسف أبلغ تجسيد لصراع الحب والشرع

يسرد دي لوكا كيف تفاجئ مريم خطيبها بأنها حبلت من ملاك، كان يوسف يلحّ على الكلمات كي يحفظها وينقلها للآخرين. فكرت في تبعات الأمر من جهة الشرع. لقد حطّمت البشارة اتفاقهما. حبلت من ملاك قبل الزواج، في فترة الخطوبة. كان يستوضح منها المزيد لكي ينقل الكلمات إلى الناس ويدافع عن نفسه في المدينة.

تخبره أنها كانت خارجة عن طورها، إزاء الدهشة التي أذهلتها والغبار الناعم الذي لفّها، دون أن يترك أيّ أثر على الأرض. غمرها وحدها ورحل تاركاً بقاياه على جسدها. كما تخبره أنه عندما حدث ذلك أخفضت نظرها وكان ثوبها يصل إلى قدميها. بعد ذلك هدأ جسدها المتوتّر وأضحى مثل قمح مغطّى بالثلج. وتقول بينما كان يتحدث كانت هي تتحول إلى أمّ. مؤكدة أن الرجال يحتاجون إلى الكلمات كي يتأكدوا، لكن كلمات الملاك كانت ريحاً قلقة لا تستقر. كانت كلمات ونطافاً. وكانت واحدة منها تكفي.

تقول مريم إنها كانت تحاول أن تتذكر أيّ شيء لكي تخفّف من روعه. وكان عجزه يحزنها. كانت تشعر بالأسف لحاله خائفاً من أن ينفرط عقد زواجهما. لم تكن تفكّر بالنتائج. لحظة بعد أخرى كانت تزداد ابتعاداً عن سكّة الشرائع. كانت تحاول أن تتذكر ولكن لم تكن تفلح سوى في الشعور بفرح يغمرها وبابتهاج بذاك المكان من الجسد الذي يجعلها أمّاً من دون عون من رجل.

يحاول خطيبها يوسف البحث عن تبريرات وتخريجات وأعذار وحلول لمشكلتهما، يقول لها علينا أن نعثر على حل، أن نجد عذراً لحملك خارج الزواج. يقول لها إنه يحبها ويصدّق ما تقول له، ويريد أن ينقذها، ويخشى أن يأخذوها إلى بوابة الناصرة ويرجموها هناك، وسيطلبون منه أن يرمي الحجرة الأولى. يتحمل من أجلها كثيراً من الإساءات. يطمئن مريم أنه سيتصرف أمام الناس كما لو كان هو أباه، سيسجّله باسمه وسينتسب إلى قوم يهودا، الابن الرابع ليعقوب – إسرائيل. وسيوضع في سلسلة النسب التي تبدأ من داوود؛ جده الأعلى. ويؤكد لها أنه سيروي له حكاية عائلته وسيعلّمه المهنة.

الشكر ليس نزهة

يؤكد يوسف لمريم، بعد اقترانه بها وهي حامل، أن الشكر ليس نزهة ممتعة، ليس سلوكاً راقياً لبعض السيدات الطيبات، إنه القوة الخارقة التي تدفع المرء إلى تحدّي العالم ودعوته إلى المبارزة، وحيداً ومن دون وجل. إنه ليس طبعاً نسائياً بل هو مهر الأنبياء. يقول لها إنه عطاء وهي استحقته. وإنّ من يملكه يتحرّر من الخوف. وإنه رآها تملكه منذ يوم لقائه بها. كما يؤكد لها أنها ممتلئة بالشكر، ومحاطة بسور منه، وأنها محصّنة، وهي تنشره من حولها، تنشره عليه أيضاً.

دي لوكا ينبش في طيات النص الديني المعتمد وينزع عنه القدسية

تخرج مريم من الناصرة إلى بيت لحم، يرافقها يوسف النجار، لتضع مولودها هناك بعيداً عن أعين الناس، تكون وحيدة في مواجهة تجربة شاقة، لكنّ آلام المخاض تخفّ وتهدأ، تبتهج بمولودها القادم، تتفاجأ بهدوئه وبعدم بكائه، تتوجّس خيفة بداية، ثم لا تلبث أن تشكره على مساعدته لها والتخفيف عنها في تلك المحنة.

تقول مريم إن الرجال يتداولون الكتاب المقدس في شؤونهم اليومية. وإنها أثناء الحمل تنشأ الرغبة في الكلام ويتعمق الإدراك بأهميته. يزداد فهمها للرجال. تخمّن أن الطفل هو الذي يعلّمها، هو الذي زرع البشارة في أحشائها، زرعته الكلمات المباركة.

يشدّد يوسف لمريم على فكرة أن يكونوا النبع الذي لا ينضب للعالم الآتي. وأن كل الأنهار تصب في البحر والبحر لا يمتلئ أبداً، وأننا جداول ماء تدعونا البحار لأن نملأها. ونحن نفعل ذلك بكل طواعية من دون أيّ أمل في النجاح.

أثناء ولادتها، تبدأ بالحديث إلى وليدها “إيشوع″ تخبره أن في الخارج هناك العالم، الآباء، الشرائع، السجلاّت التي سيدوّن فيها اسمه، الختان الذي سيهبه الانتماء إلى قوم. في الخارج تفوح رائحة النبيذ، وينصب الناس خيامهم، وفي داخل المكان الذي ولدت فيه، دفء الحيوانات يغمرهما وسيبقيان في أمان حتّى طلوع الفجر، بعدها سيدخلون عليهم وأنه لن يبقى لها من بعد ذلك.

تدعو دعاء غير مألوف، تصلّي صلاة مقلوبة، على عكس الأمهات اللاتي يردن أن يكون أبناؤهنّ مميزين خارقين مؤسطرين، تدعو قائلة يا سيد العالم اصغ إلى صلوات خادمتك التي أصبحت أمّاً، وأنه حين يأتي طفل إلى الوجود تحتفي به العائلة وتتمنّى أن يصبح شخصاً ذكياً، متميزاً عن الآخرين. تدعوه ألاّ يفعل ذلك، وألاّ يجعل من تلك الرعشة التي تسلّقت ظهرها، الرعشة الآتية من المستقبل، تمضي إلى ما هو أبعد.

تكلم الإله قائلة: لقد أسميته إيشوع كما طلبت ولكن لا تكلفه بأيّ رسالة. اجعله ولداً عادياً مثل غيره، بل ربّما مع قليل من الغباء والجبن والكسل. ولد من شأنه أن يساعد والده في الحانوت ويتعلّم منه المهنة ويواصلها من بعده. وتعقب: لا تدعه وسيماً، ومحطّ حسد الآخرين. تقول حمقاء أنا إذا تبجّحت بالكمال وبدخولك فيّ من دون نطفة رجل. وتدعو ألا يجعله مميزاً. تقول: إيشوعك هذا اعتبره مشروعاً فاشلاً وتخلَّ عنه. كثيرون يتضرعون إليك أن تتذكرهم أما إيشوع فانْسه.

يعالج دي لوكا في روايته صراع الإنسان ومجاهدته ضد ذاته ومحيطه، صراع الحب والشّرع، وتمثل حالة يوسف أبلغ تجسيد لصراع الحب والشّرع، فيوسف الذي يؤثر الحب ويتجاوز الشّرع، لا يكلّف نفسه بالبحث عن تبريرات لتصرّفه، إذ أن ثقته بمحبوبته تدفعه إلى التعامي عن أيّ سلطة أخرى واقعية، يصمد في وجه الجميع ويحمي حبّه وحبيبته.

12