باسم فرات: كلما توغلت في الشعر أشعر أنني ازددت جهلا به

الأماكن المتفردة التي يتمثلها الشاعر والكاتب، تمنحه القدرة على السؤال، وإيجاد الجواب، وتعلمه أن ثمة ضوابط وقواعد ليس في الكتابة فحسب بل في القراءة والدفاع عن الآخر المختلف كذلك، وتعلمه مفهوم الحرية ومفاهيم كثيرة يعيد صياغتها ووضع قواعد لها، ناهيك عن أن هذه الأمكنة ترفل بالتنوع اللغوي، ما يولد ثراء كبيرا لدى كل ذات تخوض فيها. هكذا هو الشاعر العراقي باسم فرات الذي ظل منتقلا من مكان إلى مكان، "العرب" كان لها هذا الحوار مع الشاعر لاستجلاء ملامح نصه وتأثير الأمكنة فيه.
الثلاثاء 2015/09/22
الكتابة تخلق عندي إحساسا بالنجاح الذي أفتقده في كثير من تفاصيل حياتي

بدأ الشاعر العراقي كتابة الشعر في سن مبكرة جدا، ولكنه لم ينشر قصيدته الأولى، إلا عام 1987. في عام 1988 ترك مقاعد الدراسة، وفي ذات العام أدّى خدمة العلم حتى عام 1992، ليهاجر بعد ذلك إلى الأردن سنة 1993، ولكنه غادرها إلى نيوزلندا، بحثا عن طفولة الشمس كما يقول، وهو الآن يعيش في هيروشيما باليابان. صدرت له عدة أعمال شعرية مثل “أشدّ الهديل”، و”خريف المآذن ” و”أنا ثانية”، وله عدة إصدارات شعرية باللغة الإنكليزية، وإصدار شعري واحد باللغة الأسبانية. وقد ترجم شعره إلى لغات عديدة كالإنكليزية والفرنسية والأسبانية والألمانية. وقد اختير شعره في عدد من الأنطولوجيات العربية والأجنبية.

كيف تكون قارئا

يقدّم باسم فرات نفسه بداية على أنه قـارئ، وليس سهلا في رأيه أن تكون قارئا، أما الجوانب التي قلما يتحدث عنها فهي أنه يميل إلى الصمت وعدم الكلام في أمور ليس حاسما فيها أمره، وفي الوقت نفسه هو مناقش عنيد في أمور يكون على ثقة منها.

الشعر من وجهة نظر باسم، هو الذي احترف السفر في المكان والزمان، ذلك السفر الذي أكسبه لغات عدة، وتجارب إنسانية عميقة، فضلا عن اطلاعه على ثقافات وتجارب شعوب أخرى، يحدثنا قائلا: أنا أكثر الناس جهلا بالشعر، كلما توغلت فيه أشعر أنني ازددت جهلا، وحين الانتهاء من كتابة القصيدة ونشوتها، أسأل كيف كتبت ما كتبت، ليس لأهميته وإعجابي بما كتبت، فأنا غير راض عن نفسي، ولكن لعجزي على أن أكتب حين أقرر الكتابة، وهو ما يسعدني، لأن هذا يعني أنني مازلت هاويا ولست محترف كتابة، مما يمنح كتاباتي عنصرا مهمّا من وجهة نظري على الأقل، ألا وهو التلقائية والعفوية في الكتابة، فلا يوجد قسر، ورأيي هذا لا ينقض رأي من يذهب عكس ما اعتقده، كلانا على صواب، فالشعر هو الكون ويتسع لكل الرؤى والمفاهيم على شرط الإبداع.

ويضيف: أكتب لأني أحب الكتابة، ولأني مخفق في سواها باستثناءات قليلة منها التصوير الفوتوغرافي، ولأن كتابة الشعر والبحث والمقالة، تمنحني سعادة تشبه سعادتي وأنا أنتهي من قراءة كتاب مهم، أو أقضي ساعات في قراءة موسوعة أو بحوث نقدية أو فكرية. الكتابة تخلق عندي إحساسا بالنجاح الذي أفتقده في كثير من تفاصيل حياتي، والكتابة أيضا تخفف من وجع الطفولة الذي عشته وكوابيسها وكوابيس مراحل عصيبة مررت بها.

يغبط باسم فرات من يتجرأ على تعريف الشعر، فهو لا يستطيع ذلك لأنه يشعر أنه الغاية العظمى والفردوس الأعلى والحلم الذي تصب فيه جميع تجاربه وقراءاته لتسقيه فلعله يزهر يوما، أي لعله ينجح بمسك جوهر الشعر وجمرته.

أجمل ما في الحداثة أنها أوصلتنا إلى غياب الشاعر/ النجم، وجعلتنا وجها لوجه أمام تجارب كثيرة متنوعة

ويواصل الشاعر: في ما يخص اللغات، لا أتحدث إلاّ الإنكليزية، وهي لغتي البيتية واليومية، لكني بواسطتها وعن طريق تعلمي لكلمات هي مفاتيح في تلك اللغات تعينني على التسوّق وفي احتياجاتي الحياتية، رحت أقارن بين هذه اللغات واللغة العربية، وكنت محظوظا أنني التقيت وقابلت وأقمت علاقات مع أساتذة جامعيين ودبلوماسيين أصحاب شهادات عليا، وأدباء وكنت في أحاديثنا أتطرق إلى الفروقات بين اللغات ودلالاتها وأساليبها، ووصلت، ليس نقلا عن عرب متعصبين، إنما بعد تجربة، وببحث ذاتيّ، إلى أن العربية هي أدقّ اللغات وواحدة من أوسعها وأشملها، لكننا نعيش أسوأ مرحلة انحطاطية في تاريخنا مع الأسف، لأن مقياس التحضر والثقافة أصبح يتمثل في استعمال المفردات الأعجمية.

ضيفنا زار أماكن لم يطرقها الشعراء من قبل، كنيوزلندا وهيروشيما ولاوس والأكوادور وكمبوديا وفيتنام، وقال إنها أعطته مزايا لا تتوفر لغيره من الشعراء، ويوضح أنه بطبيعته لا يحب التقليد في كل شيء، ويتذكر منذ نعومة أظفاره أنه لا يحب أن يقلد أحدا حتى في المزاح، ويستاء ممن يقلدون الآخرين أو نماذج يتشبهون بها في المأكل والملبس والسلوك والكتابة والقراءة والرأي، وإنه كثيرا ما سمع الأدباء يتفاخرون بقراءتهم لروائع الروايات، لكنه لم يسمع إلا نادرا من يعتز بقراءته لكتب فكرية أو نقدية أو تاريخية، وأن إعجابه بشخصيات تبحرت في قراءة تاريخ وطنها ومجتمعها قاده عكس كثيرين إلى التبحر في تاريخ العراق وامتداداته وقراءة مجتمعه العراقي، وإعجابه بتي أس إليوت وآرثر رامبو وبفنانين ومبدعين انتقلوا إلى العيش في عواصم ثقافية مهمة على المستوى العراقي أو العربي أو الأجنبي، لم يجعله متأثرا بها، باستثناء بغداد التي تربطه بها علاقة روحية ووطنية.

نهاية الشاعر

وعن مسألة الحداثة في الشعر العربي وكيف ينظر إليها اليوم، وإلى أين وصلت هذه التجربة، يجيب باسم فرات: أجمل ما في الحداثة أنها أوصلتنا إلى غياب الشاعر/ النجم، وجعلتنا وجها لوجه أمام تجارب كثيرة متنوعة، تراجع الأحزاب، كان من صالح الشعر، فكثير من الأسماء تم ضخها إعلاميّا وكتاباتها عبارة عن شعارات أو هي تجارب متواضعة، ولا ينكر أن بعض هذه الأسماء انتبهت إلى نفسها واشتغلت على تطوير تجاربها الكتابية، ولكنها قليلة. ويضيف “صدق من قال إن الشاعر العظيم من يكتب عشر قصائد، أي عشر قصائد مكتملة، ليس بإمكان أحد حذف كلمة منها أو تغييرها”.

ويؤكد فرات: التنوع المدهش بالتجارب قاد إلى تجاوز تجارب الرواد ومن جاء بعدهم، ولولا عوامل عديدة تجعل غالبية الشعراء بعد سنّ الأربعين إن لم يكن قبل ذلك، يغطي الرماد جمرة إبداعهم، واهتمامات أخرى تمنعهم من نفخ الرماد عن الجمرة، وهذا أمر طبيعي وسنّة من سنن الحياة، لوجدنا تجارب مئات الشعراء الآن تستحق التوقف والمتابعة والاهتمام، لكن الشعر يخذل من لا يكرس حياته له، مثلما فعل ويفعل الشعراء الحقيقيون، ولا أقول الكبار.

الشعر لا يرتبط بشخص أو أشخاص عدة، إنه فن قائم بنفسه يتوسله الشعراء ولا يتوسلهم، ولكل شاعر دورة إبداعية حين تقفل فلن يقدّم جديدا

يقول ضيفنا: الشعر لا يرتبط بشخص أو أشخاص عدة، إنه فن قائم بنفسه يتوسله الشعراء ولا يتوسلهم، ولكل شاعر دورة إبداعية حين تقفل فلن يقدّم جديدا، بل يصبح صمته لصالحه كي لا يسقط مثلما حدث مع شعراء كثيرين، ظلوا يكررون أنفسهم إلى درجة الابتذال، وكل محب لإبداع هؤلاء يتمنى أن يركنوا للصمت، ويتجهوا إلى كتابة مذكراتهم، لكن السؤال الأكثر وعيا هو: هل أن الذين يقولون إن القامات الشعرية الكبيرة سقطت في التكرار إلى حدّ الابتذال، ستنجو تجاربهم من هذا الفخ؟

وعليه فهناك من يرى أن شعراء مثل محمود البريكان وسركون بولص ومحمود درويش وأمل دنقل وصلاح عبدالصبور ورعد عبدالقادر وكمال سبتي وعقيل علي وسواهم، كانوا أصحاب حظوظ لأن يد الموت امتدت إليهم، وهم لا يزالون في دائرتهم الإبداعية المفتوحة، فإن يغلق الموت دائرة الإبداع للشاعر، خير من أن يغلقها الزمن. ثم إن الأحزاب العربية في الخمسينات والستينات وحتى السبعينات، دفعت إلى الواجهة شعراءها من دون امتثال للعملية الشعرية وضوابطها، وربما كثير من أولئك احترقوا بنيران الشهرة والنجومية.
15