باسم يوسف ونهاية زمن النقد الساخر

الخميس 2016/08/11

كان الانطباع العام السائد عند مشاهدي عرض نجم البرامج الساخرة باسم يوسف في بيت الدين موحدا لناحية التأكيد على ضعف العرض وهشاشته وعدم احتوائه على أي جديد. باسم عمد إلى عرض مقاطع يوتيوب، استعرض فيها أبرز ما قدمه في برنامجه، وكانت مساحة احتكاكه بالأوضاع الحالية في مصر ولبنان والعالم العربي باردة.

خيبة الأمل من عرض يوسف اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، وتناولتها مجموعة من المقالات الصحافية التي عكست المناخ العام المجمع على خواء العرض وضعفه.

ما لم يلتفت إليه أحد هو الأسباب التي أدت إلى انهيار الحالة التي يمثلها باسم يوسف، والتي دفعته إلى التعامل مع ما قدمه بوصفه قد أصبح جزءا من الذاكرة، وأن يقدم سيرته بشكل يشبه حفل تأبين لم يستطع أن يكون صاخبا، ولا حتى دافئا، ولا شجيا، بل عاطفيا وحسب. يعلم باسم يوسف أن زمنه انتهى لأنه كان مرتبطا بوظائف وأدوار لم يعد لها مكان في عالم اليوم، لا في مصر ولا في لبنان ولا في أي بقعة من بقاع الأرض. من هنا كان عرضه الدرامي محاولة للدفاع عن لحظة كانت فيها السخرية جزءا من الحياة العامة بوصفها وظيفة سياسية ونقدية واجتماعية، تهدف إلى إحداث أثر في الواقع المر عبر إبراز حجم التناقض الكبير الذي يستشري فيه باستخدام قوة الخطاب الساخر الذي تكمن أهم ميزاته في قدرته الاستثنائية على فكفكة كل منطق التسلط والرعب.

الوظيفة التي كان برنامجه الساخر يقوم عليها لم تعد موجودة أساساـ ولا يمكنه إعادة اختراعها ولا صناعتها، لأنها كانت وستبقى في الأساس مرتبطة بتواطؤ مسبق مع الناس. هذا التواطؤ هو ما كان يسمح له بألا يكون مجرد فرد، بل حالة جماهيرية ينطق باسمها ويعبر عن خطابها.

التحولات في مصر ولبنان والعالم جعلت الجماهير أدوات للرعب حيث استنبطت الرعب الواقع عليها وتمثلت القمع وتحولت إلى منتجة له. وهكذا لم يعد باسم يوسف سوى مجرد فرد لا يستطيع أن ينطق باسم السلطات ولا باسم الجمهور، ولا أن ينتقد أو يسخر من الجمهور الذي صار سلطة ولا من السلطات التي صارت جماهير.

انتبه يوسف في بيت الدين لعزلته وفرديته، وشاء أن يقدم رثاء للحالة الجماهيرية التي كانها، فكانت خيبة الأمل العامة تعبيرا عن حالة حربية تسود في الوسط العام، حيث أن الجماهير المنتمية إلى ولاءات مختلفة كانت تنتظر بشكل متطابق أن تنتصر على خصومها بالمادة التي كانت تتوقع أو تتمنى أن يقدمها الإعلامي الساخر. يوسف قام بعكس ما كان منتظرا منه، أعلن هزيمته ولم يسمح للجماهير بأن تنتصر به، فأزيح مباشرة من المشهد. ردة فعل الجماهير الغاضبة التي تم التعبير عنها بعد العرض، تحولت إلى استكمال متقن له دفع الأمور إلى خاتمة متوقعة، يعرفها يوسف ويعلم أن النجاة منها غير ممكنة.

يوسف كان يستطيع أن يحارب الأخطاء والجهل والفساد والعنف، فهذه كلها -على الرغم من خطورتها- تقع في الشأن العام، ولكنه يعلم أنه لا يستطيع محاربة رفع هذه الأمور نفسها إلى مرتبة القداسة التي تتعامل مع من يمس بها معاملة السحرة في القرون الوسطى.

قدم باسم يوسف سيرته محاولا حمايتها من التبدد، لأنها آخر ما بقي له، فعلاقة سيرته الإعلامية بالوقائع ودلالتها على الحاضر واستشرافها للمستقبل لم تعد وظائف مفترضة ولا احتمالية للإعلام، لأن معنى ما كان قد قدمه قد اختلف تماما، وكذلك اختلفت تماما نوعية المتلقين.

الإعلام النقدي الساخر غير ممكن الوجود في ظل الأحاديات التي تسيطر على كل شيء، لأنه ليس في نهاية المطاف سوى مقاربة تعمل على تهديم كل أحادية وتحويلها إلى سياق كاريكاتوري يهدم سلطات العسكرة والرعب في المجالين السياسي والثقافي. المأساة تكمن الآن في أن هذه السلطات باتت الآن مالكة للثقافة والسياسة، ونجحت في ضمهما إلى مجالها الخاص ما تسبب في نهاية مأساوية لهما، حرص باسم يوسف في عرضه أن يكون شاهدا أخيرا عليها.

كاتب لبناني

18