باسيل يصوّب على اتفاق معراب وينكأ جراح جبل لبنان

الجمعة 2017/10/20
شعار لم يلق بعد طريقه إلى التنفيذ

بيروت - ترى أوساط سياسية لبنانية أن وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل يصر على سلك سياسة تصادمية سواء مع الحلفاء أو الخصوم، الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول أهداف باسيل من هذا التمشي وإلى ماذا ستقود محاولاته النبش في غياهب الماضي وأوجاعه.

وركز باسيل خلال لقاءاته وتحركاته في المناطق اللبنانية المرتبطة بالاستحقاق الانتخابي على توجيه انتقادات لعدد من القوى السياسية البارزة وعلى رأسها القوات اللبنانية، والحزب التقدمي الاشتراكي، ما عزز المخاوف من وجود توجه لنسف تفاهم معراب، وأيضا الانقلاب على المصالحة التي تمت في العام 2000 بين الدروز والمسيحيين في سياق ما يعرف بـ”مصالحة الجبل”، والتي رعاها البطريرك نصرالله بطرس صفير والزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

وتقول أوساط قريبة من القوات اللبنانية إن رئيس التيار الوطني الحر المعروف بنهجه الصدامي لم يتعامل يوما مع القوات من منطق الحليف، أو حتى على أساس وجود وثيقة تفاهم بينهما، وأن الحسابات الضيقة هي ما ترسم سياساته.

واعتبرت هذه الأوساط أنه ثبت بالدليل أن التيار الوطني الحر لم يكن يرمي من توقيع ورقة التفاهم في معراب معقل القوات، سوى إيصال ميشال عون إلى سدة الرئاسة، وهو ما نجح فيه بالفعل، حيث كانت القوات أول من مهد الطريق لتحقيق هذا الهدف.

ولفتت إلى أن الانتخابات النيابية هي التي تقف خلف هذا التصعيد من طرف رئيس التيار البرتقالي، خاصة وأنه إلى الآن لا توجد بوادر عن اتفاق على لوائح مشتركة بين الجانبين.

وكان حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر قد وقعا في العام 2015 على ورقة تفاهم اعتبرها مراقبون مقدمة لتحالف صلب بين الحزبين المسيحيين، اللذين كانا لسنوات خلت عدوين.

مهند الحاج علي: جبران باسيل يُجسّد شعار رابط العائلة والسلطة أقوى من إرادة الناس

ولكن يبدو أن هذه النظرة الاستشرافية للعلاقة بين القوات والتيار الوطني الحر تصطدم بواقع أن الأخير لا يريد أن يقدم أي تنازلات سياسية كانت للقوات، في ظل استشعاره أن انفتاحها عليه كان لغاية الاشتراك في الزعامة على مسيحيي لبنان، ولم لا أخذ المشعل عنه.

ولا شك أن طموحات باسيل على وجه الخصوص تتعارض والطموحات القواتية، وهذا ما يجعله قادرا حتى على الانقلاب على اتفاق معراب.

ويقول الباحث والأكاديمي اللبناني مهند الحاج علي لـ”العرب” “جبران باسيل سياسي في مأزق، بداية مدخل هذا الرجل إلى السياسة كان عبر العائلة، وتحديدا زواجه من ابنة الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون. وفي هذا المجال تحديدا، أي الوسط العائلي، تمرّس باسيل وبرع. وصار وزيرا ملكا في أي تشكيلة حكومية، وبات مفضلا عند عون. حيث اختاره الجنرال زعيما للتيار الوطني حتى عندما كانت جموع العونيين تنادي باسم الصهر الثاني للجنرال، أي العميد شامل روكز، خليفة له، إذ يُشاطره بل يزيد عليه في سجله العسكري”.

ويضيف مهند الحاج علي “دوما، كان الصعود السياسي لباسيل معاكسا لإرادة الناس، بدءا بالقاعدة الحزبية العونية وانتهاء بالانتخابات النيابية، إذ سجّل وزير الخارجية اللبناني العتيد فيها سقوطين متتاليين في دائرة البترون، مسقط رأسه ومركز خدماته من مواقع السلطة. لم يتمكن من دخول المجلس رغم توافر كل العناصر الحزبية والخدماتية والعائلية والمالية له. وباسيل في مأزقه يُجسّد الشعار المضمر للسلطة اللبنانية: أن رابط العائلة والسلطة أقوى وأهم من إرادة الناس”.

ويتفق كثيرون مع مهند الحاج، حيث أن باسيل نجح وارتقى بفضل دعم عون، وهو اليوم يسعى لأن يكون خليفته ووريثه السياسي في زعامة مسيحيي لبنان.

وإلى جانب مسألة الزعامة التي تؤثر على طبيعة العلاقة بين القوات وجبران باسيل فهناك مؤثرات جانبية أخرى من بينها الخلاف بشأن كيفية التعاطي الحكومي مع الشأن العام، وليس أدل على ذلك من الخلاف على ملف الكهرباء، وأيضا مسألة التعيينات القضائية، وحتى ملف اللجوء السوري، حيث أن القوات ترفض التنسيق في هذا الملف مع النظام السوري فيما يدفع باسيل باتجاه هذا الهدف في تماه واضح مع حليفه حزب الله.

وهذه الخلافات بالتأكيد ستخلق حالة من التصادم بين الطرفين ورغبة كل منهما في إيلام الآخر ولو كان ذلك بإعادة النكء في جراح قديمة وعلى سبيل المثال هنا مهاجمة رئيس التيار الوطني الحر للمصالحة التي جرت بين الدروز والمسيحيين، بعد أحداث دامية بينهما خلال الحرب الأهلية.

واعتبر مؤخرا باسيل أن بنود المصالحة لا تزال معطلة ومنها عودة المسيحيين الذين هجروا من مناطقهم في الجبل. إعادة تطرق رئيس التيار إلى هذه المسألة أثارت استفزاز ليس فقط الحزب التقدمي الاشتراكي بل أيضا القوات والكتائب اللتان سارعتا للتأكيد على أنه لا مجال للعودة إلى الوراء، وأنه لا بد من الكف عن النبش في الماضي.

ويرى مراقبون أن سلوك باسيل بالتأكيد سيلقي بظلاله على العلاقة بين القوات والتيار ولكن أي من الطرفين لا يريد العودة إلى ما قبل اتفاق معراب، لأن فيه مصلحة مشتركة، ولأنه في خضم خلافاتهما الاستراتيجية والتي يعتبرانها “تكتيكية” يبقى الطرفان محافظين على خط الرجعة، في ضوء التقلبات الإقليمية.

2