باشاغا يحذّر من احتمال انهيار مسار الحل السياسي الليبي

وزير داخلية حكومة الوفاق يصرّ على عدم جمع الميليشيات الناشطة داخل ليبيا في خندق واحد ووصمها بالخروج على الدولة والإرهاب.
السبت 2020/11/28
وزير داخلية مدافع عن الميليشيات

طرابلس – حذّر وزير داخلية حكومة الوفاق فتحي باشاغا من احتمال توقف، بل وانهيار مسار الحل السياسي الذي ترعاه البعثة الأممية لليبيا في الوقت الراهن.

وقال باشاغا في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية، السبت، إنّ مسار الحلّ السياسي، الذي كان ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس آخر محطاته، مهدد بالانهيار "جراء الكثير من التحديات الخارجية والداخلية، والتي يأتي في مقدمتها افتقاد الثقة بين الفرقاء الليبيين، وهو ما يجعل العودة للسقوط في براثن الفوضى المسلحة مجددا خيارا قائما.

وأضاف أن ليبيا، وبعد مساعي التحاور المتواصل، باتت "أقرب من أي وقت مضى للتوافق السياسي… ولكن الأمر لم يحسم بعد “.

وأكّد الوزير الليبي الذي يبلغ من العمر 58 عاما، أن الحلّ يتوقف هذه المرة على مدى قدرة الأطراف الليبية على تسوية خلافاتها سلميا.

وقال إنّه “في ظل وجود تطلع كبير بأن تكون تدخلات الدول المجارة والصديقة لليبيا عاملا إيجابيا لترسيخ التوافق والسلام، حيث يتوقف الأمر هذه المرة بدرجة أكبر على قدرة الأطراف الليبية على تسوية خلافاتها بالطرق والحلول السياسية”، محذرا من أن الفشل في هذا المسار “قد يمهد فعليا لعودة الفوضى المسلحة والاقتتال العشوائي الذي ستكون له نتائج كارثية من الناحية الأمنية”.

وأضاف ” لذا نعمل وندعو الجميع لإنجاح المسار الراهن للحفاظ على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها والذي سوف يقودنا إلى إجراء انتخابات وفق المعايير الدولية.”

وكانت الجولة الأولى من ملتقى الحوار السياسي الليبي اختتمت أعمالها في تونس قبل عشرة أيام بإعلان تحديد موعد إجراء الانتخابات في ليبيا في نهاية العام المقبل 2021، إلا أن أعضاء الملتقى، والبالغ عددهم 75 عضوا من ممثلي الشعب الليبي أخفقوا في جولتين متتاليتين عبر خاصية الاتصال المرئي في التوافق على الآليات الخاصة باختيار الشخصيات التي ستتولى مقاليد المجلس الرئاسي والحكومة الليبية المقبلة اللتين ستعملان على تهيئة المناخ لإجراء الانتخابات.

وزار باشاغا أواخر الشهر الماضي فرنسا والتقى عددا من المسؤولين الفرنسيين "للتشاور والبحث حول الترتيبات السياسية والأمنية في ليبيا".

وتحدثت مصادر ليبية أن باشاغا الذي اصطحب معه عددا من الشخصيات من مدينة مصراتة، سعى لإقناع فرنسا بالضغط على شرق ليبيا للقبول به رئيسا للحكومة خلفا لفايز السراج بعد فشله في بلورة توافق حوله خلال ملتقى الحوار الليبي الذي جرى مؤخرا في تونس.

ويتحدّر الرجل الوازن في المشهد السياسي الليبي من مدينة مصراتة الساحلية التي تنتمي إليها ميليشيات قوية، ويُعتبر مقربا من تركيا، وكثيرا ما يُتداول اسمه كخليفة محتمل لرئيس الوزراء فايز السراج والذي شابت علاقته به في الفترة الأخيرة توتر كبير.

وفي هذا الإطار جدد باشاغا رفضه لوضع الميليشات “جميعا في خندق واحد، ووصمها بالخروج على الدولة والإرهاب“، وقسمها إلى “تشكيلات أمر واقع، والتي أدت أدوارا أمنية مهمة في ظل حالة الفراغ الأمني عقب سقوط نظام معمر القذافي. وهذا النوع يحتاج إلى إعادة تأهيل وتدريب وفق الاشتراطات الأمنية والمهنية والقانونية، ومجموعات أخرى من التشكيلات التي تتبنى بالفعل أفكاراً متطرفة ومتشددة، وهذه محل ملاحقة مشددة واستهداف من وزارة الداخلية لما تمثله من تهديد حقيقي بالنسبة للأمن القومي”.

وتوقف الوزير عند شريحة ثالثة وهي” تشكيلات مافيا المال السياسي الفاسد والتي لا تقل خطورة عن نظيرتها المؤدلجة”، على حد وصفه.

وأوضح باشاغا أن هذه “تشكيلات تأتمر بأوامر أمراء المال السياسي والنفوذ الخارج عن شرعية الدولة، وقد نجحت، مع الأسف، وعبر طرق مختلفة، في التسلل إلى مفاصل الدولة، وهي تحاول السيطرة على القرار الرسمي “.

وخير الوزير أعضاء تلك التشكيلات ما بين ”الطواعية بالانخراط، بشكل فردي، في برامج التدريب والتأهيل تمهيدا للعمل في خدمة الدولة، أو الاستعداد لمواجهة أقصى التدابير والإجراءات الأمنية التي ستتخذها وزراته حيالها، وفقا للقانون”.

وفيما يتعلق بالوضع الأمني داخل العاصمة طرابلس، وخاصة بعد قيام مجموعة مسلحة بمحاصرة مقر المؤسسة الوطنية للنفط، فقد دعا الوزير إلى عدم التسرع في إطلاق الأحكام، والأخذ بعين الاعتبار الظروف والتحديات التي تعمل في ظلها وزراته، “والتي تمثل تحديا لأكبر الحكومات وأكثرها استقرارا”، على حد وصفه.

وكان طرفا النزاع الليبي وقعا في نوفمبر الماضي اتفاقا لوقف إطلاق النار، ينصّ في أحد بنوده على ترحيل المرتزقة، ثم اتفق الطرفان على دمج القوات المتقاتلة في ليبيا.

وتعاني ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 أزمة سياسية كبرى ازدادت حدتها في السنوات الأخيرة مع دخول حكومة الوفاق المنتهية شرعيتها والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في مواجهات مسلّحة.

وتحدث باشاغا عن تبعات الانقسام المؤسساتي الذي أعقب الانقسام السياسي في عام 2014، وكيف طال جميع المؤسسات والأجهزة الليبية، وخاصة “المالية والنقدية والجهات الرقابية، وأعاقها عن الاضطلاع بالدور المنوط بها، مما أدى إلى الفوضى ونشر الفساد، وأضعف قدرة الدولة على تنشيط الاقتصاد بما يسمح وتوفير وظائف لمن سيتم تسريحهم من التشكيلات المسلحة … وهو ما أدى بالنهاية إلى تفاقم وضع التشكيلات”.

وأوضح أنه فوجئ لدى توليه مسؤولية وزارة الداخلية عام 2018 بحجم التركة الثقيلة التي وجدها أمامه والتي لم تنحصر بالتصدي لتوسع جريمة الهجرة غير الشرعية، وإنما أيضا بالتصدي لتغلغل قيادات المافيا القائمة على هذه التجارة المحرمة في كل مفاصل الدولة، بما في ذلك وزارة الداخلية نفسها، وهو ما ضاعف من حجم التحدي”.

ولفت الوزير إلى قيام سلطات وزراته في أكتوبر الماضي ” بتنفيذ أمري قبض محلي ودولي صادرين بحق عبد الرحمن ميلاد، المعروف بالبيدجا وإحالته إلى مكتب النائب العام وفق الإجراءات القانونية”.

وطبقا للأمم المتحدة، ترأس المطلوب الدولي حرس السواحل في مدينة الزاوية، وتم اتهامه، وإدانته بإقامة مركز لاحتجاز المهاجرين في المدينة وإساءة معاملتهم.

ومنذ عام 2011 وعقب الإطاحة بنظام القذافي، دأب المهربون على استغلال حالة الفوضى الأمنية التي أغرقت ليبيا، لنقل عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة سنويا باتجاه أوروبا. واشتكى عدد كبير من هؤلاء المهاجرين من تعرضهم لانتهاكات بدنية وجنسية بالغة من قبل قيادات أمنية تشرف على المراكز التي يتم احتجازهم بها.