باعة التخيّلات والأكاذيب يتجولون على الإنترنت

العالم برمته اليوم يعمل في صناعة الأخبار لإضفاء طابع ديمقراطي على المعلومات، الكل يصنع خبره وخبر غيره، محبة وغيضا وتشويها ودسا.
السبت 2019/10/05
فيسبوك أصبح بديلا فعليا لشبكة الإنترنت

لاكتشاف محتوى الخبر الكاذب، امنح ذهنك مساحة حيادية للتفكير الهادي، أعد قراءة الخبر، لا تسقط في هوة الانبهار، لا تأخذك المفاجأة من مكنون الحدث، فخبر مثلا “عناق حميم بين خامنئي وترامب” ممكن أن يحدث، لكن انتظار التأكد منه أفضل بكثير من سرعة نشره تحت وطأة المنافسة.

وخبر مثل أن البابا فرنسيس يصلي في الفاتيكان من أجل أن ينعم الرب على الرئيس الأميركي بالفوز بدورة انتخابية جديدة، يصعب التأكد منه سريعا، إلا أن وضعه تحت مجهر الحساسية وانتظار معرفة التداعيات أفضل طريقة لمعرفة، لاحقا، أنه تقرير ملفق. بينما خبر ظهور المرجع الشيعي آيةالله علي السيستاني في خطاب تلفزيوني يتحدث بعربية سليمة عن دور مرجعية النجف السياسي، وارد الحدوث أيضا، لكن إن شاهدت الفيديو فإنك تحتاج إلى تحليل تقني قبل أن تتأكد من صحته، كل شي وارد الحدوث، لكن نسبة التلفيق متصاعدة.

بالإمكان الحصول عن حزمة من الأخبار الجديرة بالدراسة بوصفها أخبارا باهرة، لكنها في النهاية أخبار ملفقة. ليس لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا زال يرفع علم الأخبار الزائفة، بل لأن العالم برمته اليوم يعمل في صناعة الأخبار لإضفاء طابع ديمقراطي على المعلومات، الكل يصنع خبره وخبر غيره، محبة وغيضا وتشويها ودسا.

العالم اليوم كيان من الأخبار تديره أجهزة رقمية محمولة، يتعلم من خلالها الناس ما يحدث في العالم ومن يعتقدون أنه عدوهم، بيد أن ذلك جعل الأمر ملتبسا على عامة الناس، لكن الفخ الذي يقع فيه الصحافيون أتعس بكثير من تصديق الجمهور للأخبار الكاذبة، ومع كون الحقائق من الموضات القديمة فإن الخطوة التالية، التي لا ترحم بتعبير روث ماركوس في صحيفة واشنطن بوست، سوف تكون الحد من كل الأخبار إلى نفس المستوى من عدم الثقة وعدم التصديق، وإن لم يكن هناك ما هو صحيح، فيمكن لكل شيء أن يكون كاذبا.

لكن تحديد ما يجب فعله بشأن المعلومات المزيفة أمر أكثر صعوبة من التزييف نفسه. فما يحرض على الكراهية وتلفيق المعلومات وتشويه الصور، يجب ألا يكون متاحا للناس، لكن ينبغي أن تكون لباحثين وصحافيين معينين القدرة على دراسته. صحيح أن المعلومات الصحيحة تعني ديمقراطية جيدة، إلا أن عدم الاتفاق عما هو صحيح وغير صحيح في تداول المعلومات أصبح مشكلة.

لذلك يحذر الكاتب آدم مينتر من أن يصبح فيسبوك بديلا فعليا لشبكة الإنترنت. هذا ما يحصل في غالبية الدول النامية، عندما يشكل فيسبوك، غالبا، المصدر الوحيد للمعلومات، ويمكن للشائعات وخطابات الكراهية المنتشرة خلاله أن تتطور بسرعة وتسفر عن وقوع أعمال عنف.

يكتب مينتر بمقال له في بلومبيرغ “داخل الدول الاستبدادية التي تعمد إلى تقييد تدفق المعلومات، يجري النظر إلى فيسبوك كمصدر تهديد، وباعتباره بديلا فعليا للخطاب الحكومي”. ومع ذلك عجزت جميع حكومات دول العالم عن كسر قبضة فيسبوك على مواطنيها!

هذا لا يعني أن الناس وحدهم من يقومون بتزييف الأخبار على منصاتهم الاجتماعية، السياسيون ورجال الدين والزعماء والمشاهير والكتاب… وهوامشهم من “الصحافيين” يعيشون موسما حافلا من الكذب أيضا وبطريقة معلنة من دون خجل. وهم في ذلك ينضمون إلى “صحافيين” مجهولين من عامة الناس والمؤسسات الأمنية والسياسية يقومون بعمل كبير من أجل التلفيق وحده لدحر عدوهم وتحطيم معنوياته أيا كانت الأهداف.

في الوقت الذي يتم فيه إنشاء المحتوى الخاطئ والمتحيز جدا ونشره بسرعة، وتحديث صفحات وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار، وتحول التنوير، الذي تنادي به وسائل الإعلام، إلى ازدراء بنظر النخبة التي تعول على المعرفة، فإن أهمية وجود سجل غير قابل للتغيير لمن قال ماذا ومتى، قد تضاعفت. ذلك ما تقوم به نخبة من الباحثين في مؤسسة “أرشيف الإنترنت” التي تأسست عام 1996، بتحويل المعلومات إلى نسخة رقمية لتكون مكتبة رقمية مخصصة لإتاحة الوصول عالميا إلى جميع العلوم.

كثفت مؤسسة “أرشيف الإنترنت” جهودها في السنوات الأخيرة لمكافحة المعلومات الخاطئة، مع تزايد المخاوف بشأن قوة الأخبار المزيفة. لوضع طبقة من المساءلة عبر 330 مليار صفحة على شبكة الإنترنت، حسب بروستر كاهل مؤسس مكتبة أرشيف الإنترنت، الذي أعرب عن أسفه إزاء التأثير المشترك للتضليل، ومدى صعوبة وصول الأشخاص العاديين إلى مصادر موثوقة للحقائق.

وقال كاهل لصحيفة فايننشيال تايمز “نحن نربي جيلا يلجأ إلى شاشاته، من دون مكتبة معلومات يمكن الوصول إليها عبر الشاشات”.

إذًا ما هي مواصفات المعلومات الصحيحة اليوم؟ الديمقراطية الجيدة تعتمد على معلومات جيدة. هذا ما يعني جوهر الصحافة؟

يتساءل آلن روسبريدجر، رئيس تحرير صحيفة الغارديان السابق، كيف تبدو المعلومات جيدة؟

ويجيب في آخر مقال له، قد نقول المعلومات ليست صحيحة، وهذا ليس نهاية المطاف إذا كنا نعتقد فعلا أنها ليست صحيحة. فهناك ما هو أسوأ ينتظرنا كصحافيين. وهنا تكمن المشكلة، فلم يعد الجمهور على استعداد لتصديق كل ما ينشر وما يكتب. معظم استطلاعات الرأي عن مصدر الثقة لا تجد إلا القليل من الإيمان بما تخبرنا به الحكومة أو السياسيون. كما توجد أيضا مستويات منخفضة للغاية من الثقة في معظم ما ينشر على الوسائط المتعددة. وتذكر استبيانات الرأي أن ما يقرب من ثلثي الأشخاص لم يعد بإمكانهم أن يرووا صحافة جيدة، وسط هذا الخضم من الإشاعات والقصص الباطلة.

ذلك ما يعتبره روسبريدجر كارثة “لم يجد ألطف من الكارثة لوصف الحال” في هذا الفراغ الشاسع من الكذب وعدم الثقة، حيث يعيش جيل الويكيبيديا وفيسبوك وتويتر مع باعة الأكاذيب والتخيلات المتجولين على الشبكة العملاقة.

18