باعة الكتب على الرصيف يفتحون شهية القارئ المصري على غذاء العقل

عرض بسطات الكتب يداعب أنظار الزبائن العابرين والهواة الذين تقودهم مسيرة البحث إلى الأرصفة، أملا في شراء غذاء للعقل بأقل سعر.
الخميس 2018/05/03
حرية القارئ في اختيار الكتاب

القاهرة – تبدو بسطات الكتب في شوارع مصر سوقا مفتوحة للثقافة الشعبية، توجد فيها كتب نادرة، جنبا إلى جنب مع أحدث الكتب العربية والأجنبية، في عرض يداعب أنظار الزبائن العابرين وهواة الكتب الذين تقودهم مسيرة البحث إلى الأرصفة، أملا في شراء غذاء للعقل بأقل سعر.

يتشابه المعروض بمعظم أرصفة الكتب من القاهرة وحتى الإسكندرية، فالحضور بارز للروايات العربية والأجنبية، وخلطة كتب الثقافة الجنسية التراثية وكتب الغيبيات كـ”شمس المعارف” لأحمد بن علي البوني، الذي يظل الأكثر طلبا رغم تنقيته من بعض المضامين المتعلقة بتسخير الجن.

وسط القاهرة، يظل محمود سيد واقفا بجوار كتبه 12 ساعة يوميا يعيد ترتيبها يوميا وفقا للأحداث والمناسبات، فذكرى الانتصارات تتطلب مؤلفات عن الجيش، والحوادث الإرهابية تستدعي إخراج الكتب التي تشرح التطرف.

ويقول سيد لـ”العرب”، إن الطلب يزداد مع المناسبات، ففي الحج يكثر الطلب على كتاب الشعائر والمناسك، وفي رمضان يتزايد السؤال عن الكتب الدينية.

ويعتبر الباعة اتهامهم ببيع نسخ مزيفة من الكتب أو طبعات رديئة تتضمن أخطاء هجوما من أصحاب دور النشر وأصحاب المكتبات، ويرون أن الاتهام يشبه تحميل البائع مسؤولية رداءة منتج ليس من صنعه.

 

بيع الكتب على أرصفة الشوارع بأسعار زهيدة فرصة للمغرمين بالمطالعة والثقافة، خاصة وأن الأسعار رخيصة بالمقارنة بأسعار المكتبات، ما فتح حربا بلا هوادة بين الناشرين وأصحاب المكتبات الذين يقولون إن باعة الكتب على الرصيف يروجون للثقافة الرخيصة ببيعهم كتب السحر والدجل وكتبا بلا مصادر، في حين يدافع الباعة عن أنفسهم بأنهم يقربون الكتب من المصريين بسعر يراعي جيوبهم الفقيرة

ووفقا لسيد، فإن الشباب من أقل الفئات طلبا للكتب من الأرصفة لكن لا يمنع تلقي طلبات متكررة من بعضهم لكتاب “شمس المعارف”، معتقدين أنه ينجح في تسخير الجن ويحقق أحلامهم بالثراء، مؤكدا أنه يرفض توفيره باعتباره أحد خريجي كلية الشريعة والقانون بالأزهر ويعرف جيدا أن ما يتضمنه من معلومات غير حقيقي.

ويشكو الباعة من شرطة البلدية التي تطاردهم، ورفض الأجهزة المحلية توفيق أوضاعهم والسماح لهم بتركيب منصات حضارية. فالكتب تترك في العراء ليلا، مكتفين فقط بتغطيتها مما يعرضها للسرقة والأمطار التي قد تتلف بعضها فيضطرون لبيعها بنصف الثمن بعدما أصاب أوراقها العطب.

ويحلمون بتكرار تجربة سور الأزبكية في الكثير من شوارع القاهرة، التي بدأت ببائعين اثنين فقط استقرا أمام الأوبرا القديمة بوسط القاهرة، وتحملا المطاردات التي وصلت إلى حد قذفهما بخراطيم المياه في سبيل وقفهما عن نشاطهما، ليتحول مشروعهما إلى سوق كاملة للكتب تنشر قائمة أسعارها بالصحف وتستقطب رموز الثقافة للشراء.

وتجد الكتب القديمة طريقها إلى الأرصفة بوسائل متكررة في الغالب. جامع مؤلفات أو هاوي قراءة يفارق الحياة، دون أن يرسخ الهواية ذاتها في نفوس أبنائه. تمر السنوات فتصبح مكتبته عبئا، تزداد رغبة الأسرة في استغلال المكان فيصبح عارضو ثقافة الشوارع الذين بدأ بعضهم في نشر إعلانات صغيرة بالصحف برغبته في شراء أي كتب قديمة، هو الحل الأمثل.

وفي بعض الأحيان قد يكون العوز المالي سببا يدفع مثقفا لبيع كتبه، مثل الأديب الراحل محمود عباس العقاد الذي فرط بمكتبته مرتين بسبب حاجته للمال.

وظل باعة الأرصفة مصدرا رئيسيا للكتب الممنوعة سياسيا طوال تاريخهم، فبعد ثورة يناير 2011 في مصر، زاد الطلب على القراءة، لكن على نوعيات محددة من الكتب معظمها كان ممنوعا من النشر وبات متوفرا كرواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ و”نقد الخطاب الديني” لنصر حامد أبوزيد و”داخل مصر.. أرض الفراعنة على حافة الثورة” للكاتب البريطاني جون برادلي.

جمال نصرالدين، بائع كتب بجوار نقابة المحامين في وسط القاهرة، لديه زبائن دائمون منذ أربعين عاما يطلبون كتبا قانونية ومعظمهم من المحامين والقضاة، الذين يفدون إليه ليس بسبب رخص الأسعار، لكن لوجود مؤلفات قديمة باتت نادرة يسعى لتوفيرها لهم.

لكل كتاب مواسمه التي يزدهر فيها
لكل كتاب مواسمه التي يزدهر فيها

ويداوم نصرالدين على نشر إعلان أسبوعي بإحدى الصحف يبدي فيه استعداده لشراء مكتبات خاصة كاملة، ويتلقى اتصالات في الغالب من شباب يبدي رغبته في بيع مكتبة لوالده أو جده ليقدر ثمنها بالكامل وينقلها ليعيد فرزها وإعادة بيعها.

ويقول لـ”العرب”، إن جمهوره يأتي من أجل كتب السياسة والقانون في المقام الأول، والأسعار التي يقدمها المحرك الرئيسي للإقبال، فأغلى الكتب التي يبيعها بسعر لا يتجاوز خمسين جنيها (أقل من 3 دولارات) رغم أن سعرها في المكتبات يتجاوز 300 جنيه (17 دولارا).

ويدافع القراء عن كتب الأرصفة فميزانيتهم لا تتحمل الكتب الجديدة، مثل علي عبده، الذي قال إنه اشترى خمسة كتب بأقل من دولار واحد، رابطا استمرار مزاولته في القراءة بمواصلة توفير الرصيف ما يحتاجه من مطبوعات، ورضا عبدالنبي، الحاصل على مؤهل متوسط، الذي يتوجه للشارع مع كل قضية سياسية أو اقتصادية مثيرة للجدل باحثا عن كتب تسد نهمه في معرفة الحقيقة.

وترى مروة مختار، عضو لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة، أن القارئ النهم يحتاج لميزانية كبيرة ومنتظمة ليحقق لنفسه متعة القراءة بشكل مستمر، وهذا لا يتوفر بسبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع الدولار الذي انعكس بصورة مباشرة على تكلفة الطباعة وسعر الكتاب، وعوضت الكتب المعروضة على الأرصفة عدم قدرة القراء على شراء الجديد.

وأضافت مختار لـ”العرب، أن بعض الكتاب والقراء ينتظرون ويتابعون المكتبات الخاصة التي تباع عقب رحيل أصحابها لشراء الكتب النادرة أو بعض النسخ الأصلية بسعر زهيد، فضلا عن فرحتهم التي يعلنون عنها أنها نسخة موقعة من فلان إلى فلان، وتشبه الكتب التي تباع على الرصيف الحياة بتنوعها، فيها الجاد والمزيف والدجل والنسخ النادرة أو الأصلية.

شباب يقبلون على كتاب "شمس المعارف" لظنهم يسخر الجن لتحقيق حلم الثراء

ويرى يسري عبدالغني، الباحث في التراث رئيس منتدى الأصالة والمعاصرة، أن الإشكالية بكتب الأرصفة أنها تهدم كل دعاوى الاستنارة الفكرية بترويج مؤلفات الفكر الظلامي التي يعتبرها البعض مرجعية ويحاولون الاستناد إليها، كبعض مؤلفات ابن تيمية، التي كان لها زمنها ولا يمكن تعميمها على الوضع الحالي، وقد تحمل أثرا خطيرا في اقتناع قارئها في ظل غياب الثقافة العامة وضعف التعليم.

ويشير عبدالغني لـ”العرب”، إلى أن الكثير من باعة الأرصفة لا يزالون يروجون للطب البديل والتداوي بالأعشاب، ما يمثل خطرا على الصحة العامة، وبعض الكتب التي لا تتضمن طبعات ولا دور نشر وتصيب الباحثين بالحيرة حال رغبتهم في الاعتماد عليها كمراجع علمية.

ويدافع المثقفون عن حرية القارئ وهي تظهر في الاختيار، خصوصا إذا كان القارئ يمتلك وعيا يدفعه للبحث عن القراءة وتطوير الوعي باستمرار.

ولفتت مروة مختار إلى أن الضرر المباشر الذي يقع على الناشر يكون من تزييف النسخ أو رفعها إلكترونيا، ومع ذلك هناك طائفة من لا تستهويها القراءة الإلكترونية أو النسخ المزيفة وتريد الأصلية، والحل في طرح طبعات شعبية بسعر أقل أو عقد بروتوكول مع مكتبة الأسرة الحكومية لتطبع فيها بعد مرور خمس سنوات على صدورها.

وباعة الكتب على الرصيف لديهم قراءة واعية للمشهد السياسي منذ ظهورها في مصر عام 1949، فقبل ذلك التاريخ كان باعة الكتب جائلين يحملونها فوق ظهورهم للمرور على مقاهي المثقفين، لكن منذ أن استوطنوا أرصفة الشوارع، تعودوا على توقع طلبات الزبون من هيئته وتقدير قيمة الكتاب من غلافه.

20