باعة متجولون ورزق ضئيل تحت شمس الخرطوم اللاهبة

الجمعة 2014/08/01
الباعة المتجولون يوفرون على أصحاب السيارات التنقل لشراء مقتنياتهم

الخرطوم - يشكل الباعة بشارع المك نمر في وسط الخرطوم، أكثر شوارع العاصمة ازدحاما، متجرا كبيرا جوالا يخدم سائقي السيارات وركابها العالقين في زحمة السير. فترى شابا سودانيا يدخل أحد يديه المحمّلتين بساعات، عبر نافذة سيارة أجرة ومن ثم رأسه، طالبا من الركاب أن يعرضوا سعرا لشرائها. ويقول مخاطبا أحد الركاب “سعر جيّد لك” ويسأل “كم من الدولارات؟”، أملا بعرض جيّد.

وعلى الجانب الآخر من السيارة، يتفاوض سائق سيارة الأجرة مع بائع آخر لشراء مصابيح رخيصة. فأصحاب السيارات يمكنهم من دون أن يغادروا سياراتهم شراء الصحف والنظارات التي تساعدهم على القراءة واقتناء المناديل لتنظيف يديهم من حبر الجرائد بعد الانتهاء من قراءتها.

ومجموعة السلع التي يحملها الباعة تتغير وفقا للمواسم، وهي تشمل آلات حلاقة كهربائية عدة لصيد الأسماك يؤكد مروّجها أنه بالإمكان استخدامها في نهر النيل عند آخر الشارع.

ويعرض الباعة أيضا مجموعة كاملة من أدوات المطبخ من أكواب وصحون وألواح لتقطيع الخضار واللحوم. وهم يطلقون طائرات في الهواء على أمل أن تلفت انتباه أطفال يمرون مع ذويهم.

وينتشر الباعة المتجولون في كل أرجاء القارة الأفريقية، وهم يعكسون في السودان، الوضع الاقتصادي في البلاد التي بلغت نسبة بطالة الشباب فيها 34 بالمئة في العام 2011، وفقا لتقديرات حكومية أوردها تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي صدر في مارس الماضي.

وجاء في التقرير، “يعيش نصف سكان السودان في حالة فقر” مضيفا أنه مع انفصال جنوب السودان الذي يضم غالبية إنتاج النفط قبل ثلاث سنوات، زادت حدة الفقر في السودان.

ويؤكد الباعة المتجولون في الخرطوم وبعضهم مراهقون، أن التسلّل بين السيارات وتجنب عناصر الشرطة والعمل في ظل شمس حارقة مع حرارة تفوق الأربعين درجة مئوية، ليست الحياة التي حلموا بها.

مراهقون اضطرهم الفقر للوقوف في الشوارع ليسترزقوا منها

ويقول مجدي محمد (23 عاما)، “ليس لدي خيار آخر (..) فالعلامات التي حصلت في نهاية المدرسة الثانوية لم تؤهلني دخول الجامعة ولم أجد عملا آخر”.

وولد محمد وسط عائلة مزارعة بولاية الجزيرة جنوب الخرطوم، التي أدى نقص الاستثمارات فيها إلى تداعي البنية التحتية الزراعية، حسب ما يؤكده محللون. والآن يجوب مجدي شارع المك نمر ذهابا وإيابا محاولا بيع آلات بلاستيكية لقطع الخضار.

وخلال الأيام الخانقة في البيع قد لا يجني أي قرش، أما في أفضل الأيام فقد يحصل 100 جنيه سوداني (توازي 10.75 دولارات، وفقا لسعر الصرف في السوق السوداء المستخدمة على نطاق واسع).

ويقول مجدي: “أسعارنا أقل من السوق”، ما قد يشكل حافزا للمشترين الذين يعانون من التضخم الذي بلغ وفقا لتقارير حكومية 45.2 بالمئة في يونيو.

وقد تكون أسعارهم أفضل إلا أن الباعة المتجولين يحاؤي ولون استغلال المارة أيضا. فهذا البائع تمكن من بيع مصابيح بعشرة جنيهات إلى سائق سيارة أجرة، بينما كان يطلب في البداية 25 جنيها.

ويؤكد حسن مبارك، العالق في زحمة السير، أن الأسعار هنا أرخص موضحا أنه سبق له أن اشترى من الباعة الشباب. ويوضح، “أحيانا أشتري أشياء صغيرة لا تحتاج للذهاب إلى محل لشرائها”. لكن حسن وغيره يشتكون من نوعية السلع الرديئة.

ويوضح مجدي، أن الباعة المتجولين يحصلون على البضائع من تجار في وسط الخرطوم ومن سوق أم درمان، المدينة التوأم للخرطوم، من دون أن يدفعوا ثمنها ويسددون القيمة بعد بيعها مع الاحتفاظ بربح لهم.

ويواجه الباعة المتجولون خطر خسارة المال في حال صادرت الشرطة البضاعة في إطار تضييق الخناق على البائعين الجوالين.

ويقول عمر حسين، (19 عاما) من شمال كردفان، والذي يعمل في الشارع منذ سنة ونصف السنة، “علينا أن نركض بسرعة لأننا لا نملك السلع”. ويضيف عمر، الذي يبيع الليمون الأخضر، “العمل صعب جدا تحت أشعة الشمس الحارة، كما أن التنقل بين السيارات خطر، فبعض زملائنا أصيبوا في حوادث مرورية”.

شاب يبيع الليمون تحت أشعة الشمس الحارة في شارع المك نمر

ويدرك القادم الجديد عصام علي (15 عاما) هذه المخاطر بعدما أتى قبل ثلاثة أشهر من الجزيرة إثر وفاة والده. ويقول عصام، “يراوح الدخل بين 50 و75 جنيها ولكن بعد أن نسدد قيمة الطعام والسكن لا يبقى لنا إلا القليل”.

ويضيف، “كنت أبيع مياه الشرب والآن أبيع المناديل، وقد أبلغت من القدامى بأنه عليّ أن أعرض ملابس الأطفال في نهاية رمضان وزينة المنازل التي يشتريها الناس للاحتفال بعيد الفطر”.

أما إسلام حسن، (17 عاما) فيبيع مفارش الصلاة، وقد هجر مقاعد الدراسة لمساعدة إخوته الصغار في حين يعاني والده المرض.

ويقول إسلام، “أنا لست راضيا عن هذا العمل، حلمي العودة مرة أخرى إلى المدرسة، ولكن يبدو ذلك مستحيلا”.

وتقول سوسن بشير، الواقفة وسط سيارتها في الشارع، “إنها مأساة” مضيفة “ما يجعلني حزينة أن هؤلاء الصغار يجب أن يكونوا في المدرسة، إنهم مــوارد مهدورة”.

20