باغبودريان مايسترو الأوركسترا السوري الذي وحد الموسيقات

الخميس 2014/02/20
المايسترو ميساك باغبودريان يحاور الفضاء بنوتة موسيقية

دمشق -يجتاز المايسترو “ميساك باغبودريان” بوابة الفضاء بسلّم موسيقي، فأمنيته الماضية بأن يكون طيارا كانت تطارده في كل مكان إلى حدّ اعتلائه طائرة الموسيقى التي يحلّق بها مع جمهوره إلى عالم الشغف والانسجام، فتتدفق حممه حال وقوفه على مسرح أو منصة. فكان لجريدة “العرب” الحوار التالي .

عن سؤالنا حول مقطوعات الفرقة السيمفونية الوطنية، وهل تعتمد على الموسيقى العالمية فقط أم أنها تحمل في ثنايا عملها هامشا إبداعيا؟ يجيب باغبودريان: «الفرقة السيمفونية الوطنية تؤدي كل شيء مكتوب بلغة سيمفونية، نقدّم لمؤلفين عرب، ومؤلفين سوريين معاصرين، سواء كانت ألحانا شرقية مكتوبة بلغة أوركسترالية أو عالمية سيمفونية، وفي آخر حفل للفرقة قدّمنا “تحميل نهود” للمؤلف كمال سكيكر، اللحن شرقي كتب بلغة أوركسترالية، يحتوي على توزيع بوليفوني وأصوات لجميع الآلات إضافة إلى الآلات الخشبية: العود والبزق والناي والقانون؛ الفرقة السيمفونية الوطنية تقدّم تجارب المؤلفين السوريين، كتشجيع لهم ولترويج الموسيقى السورية».


صعوبة فإبداع


حول ابتعاد العالم العربي عن الموسيقى الكلاسيكية، يذهب المايسترو إلى التاريخ ويتحسّر على زمان الكندي والفارابي وزرياب، الذي نكتفي بالتفاخر والحديث عنهم، إلا أن العرب شهدوا انقطاعا حضاريا عن التطور الذي قام به هؤلاء الأشخاص أنفسهم، والذي استطاع اقتناص أفكار هؤلاء هو الغرب الذي كان يشهد انحطاطا، حيث سيطرت الكنيسة على الموسيقى، وكانت الأندلس البوابة الواسعة التي استنشق منها الغرب هواء الموسيقى.. أعطاهم العرب البذور وطوروها من وجهة نظرهم، استوردوا العود فأسموه “الليوت” ومنه كونوا آلة القيثارة وغيرها، يقول: «علينا نحن كعرب أن نعيد الدائرة، يمكن الاستفادة من موسيقاهم وتطويرها بما يتأقلم معنا، نحن نعيش في مرحلة طفولة موسيقية، فلا يمكن أن نسأل الجمهور ماذا يريد يجب أن نأخذ بيده ونعرفه على الموسيقى الموجودة، والفرقة السيمفونية غريبة على المجتمع العربي، ولا يقع اللوم على الفرقة أو المجتمع، وإنما على التاريخ الذي لم يستطع جمع الطرفين معا، ونحن كموسيقيين مهمتنا تدارك هذه الهوة»، ويضيف باغبودريان أن الموسيقى الكلاسيكية بإيطاليا وألمانيا لا تشبه موسيقى الشعب، لكن المفارقة تكمن في العلاقة المستمرة بين الموسيقى الكلاسيكية والشعبية، والآن تعاني الموسيقى الكلاسيكية في الغرب من جمهور الشعر الأبيض، فالشباب لم يعد مهتما بها في زمن الموسيقى الألكترونية.

الموسيقى تذكر الإنسان بشعور فقده نتيجة الظروف، وتعمم فكرة الانسجام

وبخصوص التشويه الموسيقي الذي يعاني منه العالم العربي، يشير المايسترو ميساك أن الاهتمام التجاري سبق الاهتمام الثقافي وبولغ في هذا التفضيل، حيث يعاني العالم العربي من شركات الإنتاج التي تشيع موسيقى معينة لأهداف ربحية، ومع تكرار هذه الموسيقى تحفر في عقول الناس وتدريجيا تصبح من متطلباتهم، وفي أوروبا أيضا وصل استغلال الموسيقى إلى حدّ الاحتيال بإيجاد إيقاع حسب نبض معين يعمل على حث الشباب على نمط استهلاكي معين، وبالنتيجة فإن الشركات التجارية أتقنت كيفية توظيف الموسيقى لصالحها أكثر مما استطاع الموسيقيون توظيفها لصالح المجتمعات والإنسانية، ومن جهة أخرى هناك محاولات لمعالجة مشكلات مجتمعية بالموسيقىكالإدمان والتوحّد، وهناك تجربة موسيقية إيجابية في أفريقيا، حيث يعملون على التغلب على المناطق الفقيرة التي تتكون فيها بؤر فاسدة من خلال إدخال الموسيقى إلى هذه المناطق.


أنغام جامعة


حول محافظة الموسيقى والموسيقيين على أنفسهم في زمن الانهيارات الكبرى يرى باغبودريان أن الموسيقى عامل مهمّ للبناء وخاصة في ظروف مماثلة للأزمة السورية، الموسيقى تذكر الإنسان بشعور فقده نتيجة الظروف، وتعمّم فكرة الانسجام، فالفرقة الموسيقية تشبه المجتمع تماما، أي أننا مختلفون بشكل أو بآخر ولكننا قادرون على الانسجام، والاختلاف جائز لصالح الوطن، يتابع قائلا: «نحن نستطيع بالموسيقى أن نخلق تطرفا أكثر، ولكن هدف الموسيقى أن تخلق نقاطا مشتركة وتبرزها، وهناك أهمية كبيرة للمقطوعات التي تمثل الهمّ العام، وهذا ما نفتقر إليه في الموسيقى السيمفونية خلال هذه الأزمة، لكن هناك فرقا شبابية صغيرة تحاول الحديث عن سوريا وعن الشباب وعن القضية العامة، وهذا مشروع بالغ الأهمية».

وفي ما يتعلق بمرحلة البناء ومبادرات الفرقة السيمفونية الوطنية، يقول المايسترو: «مشاكل كثيرة وأخطاء أكثر ارتكبت خلال المرحلة المنصرمة، لكن حان وقتالبناء، نحن بحاجة إلى نقطة “صفر” لنبني، قمنا بمشاريع تبرعية عدة مثل “من أجل شتاء دافئ نعزف”، ولم نكن نعطيلجهة معينة أو واحدة، أعطينا لكل السوريين، عملنا أيضا على نشاط “اكتشف الموسيقى” من خلال تعريف الأطفال الموجودينببعض مراكز الإيواء في مدينة دمشقوريفها على الموسيقى، ومنحهم أدوات وبذور التعامل معها، لا بدّ أن تكون هناكتجربة موسيقية للأطفال، وكمثال بسيط فإن اليابان كان دولة مدمّرة بالكامل، أما الآن فإن عدد الأوركسترا يفوق القدرة على الإحصاء بالرغم من أن تراثها الموسيقي الشعبي مختلف تماما عن الموسيقى السيمفونية؛ الموسيقى الكلاسيكية هي علاج وضرورة للحياة، فلنعطِها حقها».

16