باكستانيون في النجف

الخميس 2014/05/15

بالنسبة إلى سكان غرب العراق، وهم الذين جرى تصنيفهم من قبل المحتل الأميركي باعتبارهم عربا سنّة، فإن القيامة كانت قد حلت في ديارهم في وقت مبكر.

ففي عام 2004 تعرضت الفلوجة لحربي إبادة، استعملت فيهما القوات الأميركية مادة الفسفور الأبيض، وهو غبار حارق تمتد تأثيراته السلبية لعشرات السنين. وهو ما جعل منظمات طبية دولية تحذّر النساء هناك من امكانية ولادة أطفال مشوّهين. وهو ما وقع فعلا.

ولهـذا كان مـن الطبيعـي أن يكون استعمـال تلك المادة محرما في الحروب بين الجيوش، فكيف إذا تم استعمالها ضد المدنيين؟

كانت القيامة يومها لا تحتاج لظهور المهدي المنتظر، الإمام الثاني عشر بالنسبة إلى الشيعة والذي يقال إنه اختفى حين كان طفلا وبظهوره تكون البشرية قد اقتربت من يوم الساعة، حيث قيامتها.

فالفلوجيون عاشوا تفاصيل القيامة قبل أوانها. وهم اليوم يعيشون فصلا جديدا من فصولها، حيث هجّر العدد الأكبر من سكانها. أما من بقي فإنه اختار الإقامة بين جحيمي داعش والجيش العراقي.

في النجف، حيث مرقد الإمام علي بن أبي طالب، جرت أكثـر من محاولة لظهور المهدي. كان النجفيون على موعـد دائـم مع شخصيـات ادّعت أنها المهدي المنتظر أو زعمت أنها مرسلة من قبله لتبشـر أهـل الأرض بقرب ظهوره. وقد تمت تصفيتها.

وكما هو معروف فإن الكثيرين يلحقون بذكر المهدي جملة تقول (عجّل الله فرجه) وهو ما يفصح عن رغبتهم الانتحارية في التخلص من عبء الدنيا والذهاب إلى القبور، حيث تنتظرهم هناك الحوريات وأنهار من خمر، يقال إنه لن يكون مسكرا. إضافة إلى العسل واللبن.

وهما مادتان متوفرتان بكثرة في الأسواق. ولكن ما لم ينتظره أحد من سكان النجف أن يظهر المهدي في مدينتهم لكن بطبعة باكستانية.

سيكون مقبولا لو قيل إن الرجل، عربي الأصل كان قد اضطر في لحظة عصيبة من لحظات غيبته لطلب اللجوء الإنساني إلى باكستان، ومن ثم حصل على الجنسية الباكستانية ومن بعدها حانت لحظة ظهوره، ولكن المهدي الذي ظهر مؤخرا في شوارع النجف ظهوره محاطا بمريديه كان باكستانيا أبا عن جد.

لذلك لم تكترث السلطات المحلية لظهوره، بل نظرت إلى الأمر كله باعتباره نوعا من الدعابة. لو كان الرجل عربيا لقتلته تلك السلطات، من غير أن تتحقق من صدق مزاعمه أو كذبها. فمن وجهة نظر تلك السلطات فإن موعد الظهور لم يحن بعد. هناك ثروات كثيرة يتطلب الاستيلاء عليها مزيدا من الوقت.

ولأن الحكومة الاتحادية في بغداد مشغولة بأمرين مصيرين: حربها القيامية غرب البلاد وبالأخص في مدينة الفلوجة المنكوبة بسخط أميركي وحقد طائفي، والأمر الثاني يتعلق بإعادة تأهيل رئيسها لولاية ثالثة فإن خبر ظهور المهدي الباكستاني في النجف لم يصل إليها.

غـير أن الخطيـر في تلك الظاهـرة لا يتعلق بجانبها المذهبي، بقدر ما يتعلق بتداعيات ذلك الظهور على عدد من أحياء النجف.

فالرجل الذي ينتحل شخصية الإمام الغائب هو في حقيقته زعيم عصابة يمتهن أفرادها “الدعارة الدينية” إلى جانب نشاط عقاري، يتم من خلاله إجبار سكان تلك الأحياء وجلهم من الفقراء على بيع بيوتهم إلى عوائل باكستانية.

هو إذن مشروع استيطاني يتم تنفيذه تحت غطاء “قيامي” في ظل صمت رسمي. وهو الصمت الذي يعبر عن تواطؤ، حيث صار فقراء العراق يتفادون الاصطدام برجال الدين الجدد، بغض النظر عن جنسيتهم مخافة أن يؤدي بهم إلى أن يقعوا تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب.

أخيرا أتساءل إذا كان الباكستانيون قد نجحوا بذريعة ظهور المهدي في الاستيلاء على بيوت العراقيين، فما الذي فعله الإيرانيون بالعراقيين وهم الذين لا يحتاجون إلى انتحال كذبة قيامية، ذلك لأن الحكومة المحلية تدين لهم بالولاء؟


كاتب عراقي

8