بالأحضان بالأحضان مقتدى "اقتحم" الخضراء

الأربعاء 2016/03/30

لم يكن الاستقبال الحار الذي أبداه ضباط القوات العسكرية المكلفة بحماية المنطقة الخضراء، واحتفاؤهم بزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وهم يفتحون له أبوابها الموصدة وتقبيل يديه ورأسه وعمامته مفاجأة لمن يتابع الأحداث السياسية ويرصد حركات لاعبيها الأساسيين الذين وإن اختلفوا في بعض المواقف، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بمصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية، إلا أنهم سرعان ما يتآلفون ويصطفون في موكب واحد.

ولعلها من المفارقات الغرائبية أن يوصف دخول مقتدى وفتح بوابة المنطقة الخضراء أمامه وأداء الضباط الكبار التحية العسكرية له وإحاطته بالرعاية والاهتمام وتأمين راحته، بأنه عملية “اقتحام” حتى وصل الحماس بعدد من مذيعي الفضائيات إلى إطلاق تسميات مبالغ فيها في وصف المشهد وكأنه “فتح الفتوح” أو مقدمة لثورة شعبية ستقذف باللصوص والمفسدين الذين يتمترسون في المنطقة المحمية إلى خارجها، دون أن ينتبهوا لأنهم مجرد أدوات وببغاوات لأن اقتحام المكان شيء والدخول إليه شيء آخر.

وعموما فقد فتحت الأبواب برحابة لدخول مقتدى إلى المنطقة الخضراء واحتفي به بمهابة من قبل حراسها، واتخذ مكانه في خيمة زاهية الألوان يحف به مساعدوه ويقف خارجها ضباط الحكومة برتبهم العالية وأسلحتهم المخيفة وهواتفهم النقالة زيادة في حمايته، وأعلن الرجل أنه معتصم ولن ينهي اعتصامه إلا بعد أن يعلن “العاصي” حيدر العبادي التزامه ببرنامج إصلاحات الصدريين الذي صاغته مجموعة من العجزة وطلاب الجاه والمغمورين سياسيا، وهو برنامج لمن يتمعن فيه جيدا لا بد وأن يكتشف أنه موضوع إنشاء قد يصلح لطلبة المدارس، لأنه مجرد كلام مرسل وتمنيات مفرطة يمكن الثرثرة بها في المقاهي لقتل أوقات الفراغ.

وعندما نقول إن قادة الأحزاب الدينية، بشقيها الشيعي والسني، لا يصلحون لقيادة بلد مثل العراق له خصوصيته الثقافية والسكانية والتاريخية والمناطقية أيضا، والغالب من شعبه مؤمن دينيا وليس متدينا، إضافة إلى وجود أعراق وفرق وجماعات لها هويات وطبائع وسمات خاصة بها، فإننا لا نظلم أو نتجنى على تلك الأحزاب المنغلقة فكريا، والغارقة في نزعتها المذهبية، والطافحة في أهدافها الطائفية، ومن الصعب تأهيل أولئك القادة حتى لو حصلوا على أعلى الشهادات الدراسية من أرقى الجامعات ليكونوا حكاما نزهاء لأنهم لا يستطيعون التخلي عن أفكارهم الراسخة في أدمغتهم المحنطة، ولا يقدرون على التخلي عن معتقداتهم المعششة في رؤوسهم والمخزّنة في نفوسهم وقلوبهم.

مقتدى الصدر واحد من هؤلاء مهما قيل فيه مـن عبارات الثنـاء على وطنيته الشبحية، وكيل المديح لمواقفه السياسية التي ثبت أنها تفتقر إلى الثبات وتتقاذفها الأهواء والأغراض، فهو لا يختلف عن نوري المالكي وإبراهيم الجعفري وعمار الحكيم وحسين شهرستاني وهادي العامري وحيدر العبادي من القيادات الشيعية، وإياد السامرائي وسليم الجبوري وهما أبرز قياديي الحزب الإسلامي (السني)، إلا في بعض القضايا غير الجوهرية وخصوصا في ما يتعلق بالمصالح الذاتية والحزبية، في حين يبقى سياقـه العـام منسجما معهـم ولا يختلف عنهم، فمقتدى مؤيد للعملية السياسية منذ البداية، وله حصة فيها وشريك في الحكومات المتعاقبة لا “يعوف” استحقاقاته منهـا رغم أنه يستمر في توجيه انتقـاداته للعملية السيـاسية وشراكتـه الـوزارية دون أن يبادر ويتخذ مسارا واضحا وعمليا، وهـذا في الحقيقـة موقف متذبذب في المفاهيم السياسية لا يمكن الركون إليه.

وخلال السنوات العشر الماضية على الأقل لاحظنا مقتدى الصدر وهو يدعم العملية السياسية العرجاء كما يسميها، ولكنه ينخرط فيها بقوة ويهاجم الحكومات الفاسدة التي تولد من بطنها ولكنه يشترك فيها، والغريب أن وزراءه يتفوقون على الوزراء الآخرين في الفساد وهو يعرف ذلك غير أنه يستمر في إضفـاء حمايتـه عليهم، ولم يتخذ إجراء عقابيا ضد أحدهم إلا في حالة بهاء الأعرجي، ولكن بعد أن غادر منصبه الحكـومي ولا نـريد هنا إثـارة المواجع عن سبب أو أسباب العقوبة “الأعرجية”.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، كيف سينهي مقتدى الصدر اعتصامه المريح في المنطقة الخضراء أو “الغبراء” كما يسميها؟

العبادي سعيد جدا هذه الأيام رغم الضغوط والمتاعب التي يتعرض لها لإعلان إصلاحاته التي صدع رؤوس العراقيين بها، لأنه أثبت أنه ديمقراطي جدا ودليل ديمقراطيته الشفافة أنه أوعز بفتح بوابات المنطقة الخضراء أمام “السيد” وأمر عساكره باستقباله بالأحضان بالأحضان وأمرهم بتقديم تعظيم السلام له وتقبيله، ولا يهم أين تقع قبلاتهم الحارة على يديه أو وجنتيه أو كتفيه رغم أن الأكثر ثوابا أن تكون القبلة على عمامته السوداء.

إنها واحدة من أنواع المكر الذي يتقنه الملالي، ولعبة مفضوحة تنطلي على السذج وفقراء الوعي من جماعة “علي ويّاك علي”.

الأزمة التي يعيش تحت وطأتها العراق اليوم باتت أكبر من أن تحل باعتصامات متفق عليها أو بوعود براقة أو تصريحات رنانة تطلقها قيادات أحزاب وكتل وتيارات ساهمت، بفاعلية وتعمد، في تخريب العراق وانحطاطه وتدهوره، وفي مقدمتها حزب الدعوة وكل من آزره وعاونه وشارك في حكوماته ورضخ لأجندته.

إن الحل الحقيقي لإنقاذ العـراق من أزماته ووضعه على سكة السلامة وتأمين نهوضه لن يتحقق ما دام قادة الأحزاب الدينية سواء كانوا بعمامة سوداء أو بيضاء أو ببدلات أوروبية وأربطة باريسية يتحكمون بمفاصل البلاد، و“الشلع قلع” تنطبق عليهم جميعا بلا استثناء.

كاتب عراقي

9